الحل والإباحة، وإذا حرم أحد شيئًا أو نجسه بلا دليل فإنهم يردون عليه بقولهم: الأصل في الأعيان الإباحة والطهارة، وهكذا في مسائل كثيرة.
وتعليلهم هذا يدل على أن هذه القاعدة معتمدة وهذا عند جميعهم فيما أعلم - والله أعلم -.
وقد تقرر في الأصول أن الإجماع حجة شرعية يجب قبولها والعمل بها والمصير إليها وتحرم مخالفتها، ويدل عليها أيضًا أن الأخذ بها من تعظيم الدليل، وتعظيم الدليل مقصد من مقاصد الشريعة ومن تعظيم الدليل أن لا نتعدى مدلوله إلا بناقل، وهو مقتضى هذه القاعدة، فإن فحواها أن ما ثبت من الأصول بالأدلة فالأصل هو البقاء عليه وعدم تعديه إلا بناقل، فهذه القاعدة من قواعد تعظيم الدليل، إذ أننا في الأصل لا نثبت إلا ما أثبته الدليل، وكذلك أيضًا لا نتعدى ما ثبت به الدليل إلا بمقتضى دليل آخر.
فهذه القاعدة تدور بنا حيث دار الدليل، وتقف بنا حيث وقف الدليل، فلا مجال مع الأخذ بها للشهوات ولا للتعصب ولا للأهواء، وإنما هو الموافقة والمتابعة وهذا هو حقيقة التعبد، أننا لا نثبت إلا ما أثبته الشارع ولا نتعدى ما أثبته الشارع إلا بناقل صحيح معتمد، وإلا فالأصل هو البقاء على ما أثبته الشارع حتى يرد الناقل، والأصل هو البقاء على ما نفاه الشارع حتى يرد الناقل؛ لأننا تبع للدليل، فهو الميزان ونحن الموزونون، وهو الأصل وما سواه ففرع، وهو المقدم والسيد الذي لا نتقدم عليه بقول ولا فعل ولا مذهب ولا رأي ولا قول أحدٍ كائنًا من كان، فإنه لا نجاة ولا خير ولا فلاح ولا صلاح إلا بالأخذ بما جاء به النص واعتماد ما اعتمده النص، وإثبات ما أثبته النص، ونفي ما نفاه النص، واعتبار ما اعتبره النص، وإلغاء ما ألغاه النص، والوقوف حيث وقف النص، وتعظيم النص لا يكون إلا بذلك.
ويدل عليها أيضًا: أن الناقل لنا عن الأصل هو في هذا النقل يثبت حكمًا