ورغم أن الأبيات مزيج من الوصف والعتاب، فإن ذلك مما يَجْمُلُ في الشعر، ويجمل في عين الأنا المحبة، بل إن ما يلوع المحب هو هذا المزيج؛ فتقوى العاطفة وتشتد، ويزيد الوجد، ولا ترى الأنا اكتمالها إلا بهذا الآخر، وترى الوفاق على هذه الشاكلة وفاقًا (الوصف) .
ومثل هذا التغزل بعيني الحبيبة قول الشاعر [1] :
عيناكِ يا سيدتي بحيرتا حنانْ
عيناك فيهما أسرارُ هذا الكون والأزمانْ
أتيت من أعماقِ صَمْتِ هِدْأَةِ الليالْ
أنيت أحتسي مرارةَ الدموع
من كؤوس لوعةِ الحرْمانْ
حللت في (ليمان) [2]
وها أنا .. في بحيرتَي عينيك في أَمانْ
لوَّنتِ في حروفي الثريةِ العَطَاءْ ...
أغنيةَ الهضابِ الخُضرِ ...
يا سيدةَ الحِسانْ
وهي أبيات تؤكد إلى جانب ما يجده من ألفة ودفء في عيني حبيبته، أن الشاعر يلج إلى عالم المحبوبة من عينيها، ويكشف عن جمالها الداخلي من عيني، ويتخذهما رمزًا.
لكن الشاعر ما يلبث أن يُقِرَّ بأن الأنا ذاقت طعم كينونتها ووجودها وعيشها بالآخر، بما تم له من سالف اللقيا، وهي مسألة تكونت للأنا بعد المعرفة فأضحت ذاتا لها إحساس عال بما تجد فكانت تلك الخوالي [3] :
(1) 1 - ديوان ليلة استدارة القمر، ص 30
(2) - ليمان: بحيرة في جنيف.
(3) 3 - ديوان القوافي قصائد، ص 25