أمجاد صباه، ونقول صباه لطبيعة الشوق، لكنها استرجاعات-كما يبدو- في زمن كبرهن زمن العمل والتنقل والترحال، وخاصة حين يحدد النطاق الجغرافي لغرامياته في أماكن مسماة كالتي نراها في هذه الأبيات المكتنزة بالحسية [1] :
كم ليالٍ (ب?ِينّا) عشْتُها
خصبةِ الحبّ بليلِ السَّمر
كم تغنَّتْ أحرفي راقصةً
للعذارى في هدوء السَّحرِ
والشفاهُ - الكرْز- تدعو وَلَهَا
وَهْيَ نشْوى لاقتطافِ الثَّمرِ
والعيونُ الزُّرق فيها أبحرَتْ
أمنياتي في شِراعِ الْحَوَرِ
يا عطاءَ الشوقِ من -دانوبِها
املأِ الكأسَ- فلا من حَذَرِ
جدِّدي الذكرى ورُدّي أملًا
لفتىً ضل بدنيا الكَدَر
الوفاق في الأبيات ليس مبعثه الحب العذري المعهود، أو الخالص للشاعر في حبه المعروف، بل إنه وفاق من نوع آخر؛ فهو انطلاق - لِلَحْظِ- النفس من رغبات لا علاقة لها بالحب، وأكثر علاقاتها باستحقاق الجسد في دنيا الإعجاب بمظاهر فتنة تفرض ذاتها في مثل هذه المجتمعات، أو في مثل هذه اللحظات الليلية السامرة.
غير أن الشاعر قد يجنح إلى الحسية وهو يعيش الوفاق مع حبيبته، وفي الوقت ذاته يمزج ذلك بنوع من العاطفة العذرية، حين يكون صدر حبيبته-وهذا رمز حسي- مكانا لتلاشي الأحزان [2] :
(1) 1 - ديوان دروب الضياع، ص 1
(2) 1 - ديوان ليلة استدارة القمر، ص 36