وتثمين قيمة ارتباط وتواصل الأنا بالآخر واضح في عبارات الشاعر، التي لا تحتاج إلى كد في تفهمها، أو تبينها، ولأجل ذلك كله، لأجل ما يصبو إليه الشاعر من استقرار نفسي، من حب ودفء عاطفي يسعى الشاعر؛ لاستعادة الماضي وتكراره في الحاضر، أو لبقاء جزء منه، وهو لكل ما سبق يطلب من الحبيبة ألا تساهم في حرمانه منها فلا تنثره على وجدها وحبها، وولهه الشديد [1] :
لا تنثُريني على درب الهوى وَلَهَا ... وأنت نشوى بإعلاني وإسراري
ما كنتُ إلا كما تَدرينَ - فاتنتي - ... أَهْوَى وتشْرقُ من حُبِّيكِ أشعاري
أُمسِي وأصبحُ في شوق وفي وَلَهِ ... إلى لقاكِ كشوقِ المدنفِ السَّاري
أطوي الليالي لعلَّ الحبَّ يجمعنا ... في روضة العشقِ منقارًا لمنقاري
لا تعذليني إذا ما بُحْتُ عن خَلَدي ... فالحبّ يسمو بحبِّيه لإِقمار
إذن يتمثل شرط الوفاق بين الأنا والآخر (الآخر هنا مَعْنيّ به الحبيبة) في الوصال، وعدم تلويع الأنا أو هجرانها؛ لما يمثله هذا الوصال من جوهر في الحياة، يصل إلى أن يكون هو الحياة أو الحياة مرهونة به، وتصبح المسألة مسألة وجود.
-مع المكان:
والشاعر لا يبحث عن الوفاق مع الحبيبة فحسب، بل إن تعدد الخطاب الموجه إلى آخر غير الحبيبة في النماذج الشعرية يقودنا إلى حرص الشاعر على الوفاق مع كل من تربطهم به علاقة أو تربطهم بالحبيبة علاقة، كالمكان مثلًا، وارتباط الشاعر العربي بالمكان ليس جديدًا؛ فقد عرف الشعر العربي توجه الشاعر إلى الأطلال يخاطبها، ويستوقف ناقته وصاحبه للبكاء عندها ونثر الذكريات حولها.
(1) 1 - ديوان ليلة استدارة القمر، مصدر سابق، ص 13