أسألتَ رسم الدارِ أم لم تسألِ ... بين الجوابي فالبُضيعِ فحومَل
فالمرجِ مرجِ الصُّفَّرَيْنِ فجاسِمٍ ... فدِيارِ سلمى درَّسًا لم تُحْلَل
دمنٌ تعاقَبَها الرياحُ دوارسٌ ... والمدجِناتُ من السِّماكِ الأعزل
دارٌ لقومٍ قد أراهُمْ مَرَّةً ... فوق الأعِزَّةٍ عِزُّهم لم يُنقَل
للهِ دَرُّ عِصابةٍ نادمتُهُمْ ... يومًا بِجِلَّقَ في الزَّمانِ الأوَّل
يمشون في الحلل المضاعَفِ نسجُها ... مشيَ الجِمالِ إلى الجِمالِ البُزَّل
الضاربونَ الكبشَ يبرقُ بيضُهُ ... ضربًا يطيحُ له بنانُ المِفْصِل
والخالطونَ فقيرهم بغنيِّهمْ ... والمنعِمون على الضعيف المرمِل
أولادُ جفنةَ حولَ قبرِ أبيهِمُ ... قبرِ ابنِ ماريَةَ الكريمِ المُفْضِل
يُغْشَوْنَ حتى ما تَهِرُّ كلابُهُمْ ... لا يسألون عن السوادِ المقبِل
يَسقُونَ مَنْ وَرَدَ البريصِ عليهمِ ... بَرَدَى يُصَفَّقُ بالرَّحيقِ السَّلْسَل
يسقون درياق الرحيق ولم تكنْ ... تُدعى ولائدهُمْ لنَقْفِ الحَنْظَل
بيض الوجوه كريمةٌ أحسابُهُمْ ... شمُّ الأنوفِ من الطرازِ الأوَّل
فلبثتُ أزمانًا طِوالًا فيهمُ ... ثم ادَّكرتُ كأنَّني لَمْ أفْعَل
إمّأ ترى رأسي تغيَّرَ لونُهُ ... شمطًا فأصبح كالثَّغامِ المُحْوِل
ولقد يراني موعِدِيَّ كأنّني ... في قصر دومةَ أو سواءَ الهيكل
ولقد شربتُ الخمرَ في حانوتِها ... صهباءَ صافيةً كطعمِ الفُلْفُل
يسعى عليَّ بكأسِها متنطِّفٌ ... فَيُعِلُّني منها ولو لَمْ أنْهَل
إنَّ التي ناولْتَني فرددْتُها ... قُتلتْ قُتِلْتَ فهاتِها لم تُقْتَل
كلتاهما حَلَبُ العصيرِ، فعاطِني ... بزُجاجةٍ أرخاهُما للمِفْصَل
بزُجاجةٍ رقصتْ بما في قعرِها ... رقص القلوصِ براكبٍ مستعجِل
نسبي أصيلٌ في الكرامِ، ومِذْوَدي ... تكوي مواسِمُهُ جُنُوبَ المصْطَلي
ولقد تقلِّدنا العشيرةُ أمرَها ... ونسودُ يومَ النائباتِ ونعتلي
ويسودُ سيِّدُنا جَحاجِحَ سادةً ... ويصيب قائلُنا سواءَ المَفْصِل
(1) (*) شرح ديوان حسان بن ثابت الأنصاري، وضع وضبط وتصحيح: عبد الرحمن البرقوقي، المكتبة التجارية الكبرى، مصر، ص 307.