فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 135

دمشق والثقافة العربية

وعيون الشعراء

علِّمينا فِقْهَ العروبةِ يا شا ... مُ فأنتِ البيانُ والتبيينُ

دمشق فقه العروبة, دمشق البيان والتبيين. هذا الكلام لم يقله نزار قباني عبثًا, وهو الذي يؤكد دائمًا:

ودمشقُ تُعطي للعروبةِ شكلَها ... وبأرضها تتشكَّلُ الأحقابُ

والدهرُ يبدأ من دمشقَ، وعندَها ... تبقى اللُّغاتُ، وتُحفَظُ الأنسابُ

هل كان نزار قبّاني محِقًّا أم مبالغًا ... دمشق تشكّل وجه العروبة, ودمشق تحفظ اللغات والأنساب والأحقاب ... وعلى أرضها تكوّنت عظمة العروبة, وبقيت العظمة على مرّ السنين.

لن نتوقَّف عند تاريخ دمشق الموغل في القدم, ولا عند دورها عاصمةً لمملكة آرامية, ولا عند دورها خلال الحقبة الكلاسيكية من الاحتلال الروماني وقبله الإغريقي.

إنّما سوف نتوقف عند بعض المحطّات التي أعطت دمشق وجهها العربيّ الحضاري, وأعطت دمشق من خلال تلك المحطات عبقًا إنسانيًا توزع على قارات العالم.

أولًا: هناك وهمٌ تاريخي شائع, يزعم مروّجوه أنَّ بلاد الشام كانت بيزنطيّةً وأنَّ العراق كان فارسيًا ساسانيًا، ومن ثَمَّ فإنَّ أصحاب هذا الزعم يقولون: إنَّ العرب أقبلوا من شبه جزيرتهم محتلين للشام والعراق.

والتاريخ الموضوعي يؤكّد أنَّ البيزنطيِّين كانوا طبقةً حاكمةً محتلةً في بلاد الشام, شأنَ الساسانيّين في العراق. كما تؤكِّد الدراسات التاريخية الموثقة أنَّ سكان تلك البلاد الأصليين كانوا يتألفون من القبائل العربية, ومن السريان الآراميين، ومن بقايا الحضارات الأسبق كالآشوريين.

والقبائل العربية كانت تمتد حتى منابع دجلة والفرات, وعرفت هذه البلاد ممالك عربية صرفة، من مثل: جندب, الحضر, الأنباط, التدمريون, المناذرة, الغساسنة, وبعضها يعود إلى الألف الأول قبل الميلاد.

كما يحفظ لنا التاريخ أسماء القبائل العربية التي كانت تسكن الشام والعراق، مثل: بكر وتغلب ومضر وربيعة وتنوخ ولخم وجذام ونمير وكلب وكلاب وسواها.

وكان شعراء الجاهلية يتردّدون على الشام والعراق، يمدحون ملوك المناذرة والغساسنة, وفي طليعة هؤلاء النابغة الذبياني وحسان بن ثابت، صاحب القول المشهور في الغساسنة:

للهِ دَرُّ عِصابةٍ نادمتُهُمْ ... يومًا بجِلَّقَ في الزَّمانِ الأوَّل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت