يَسقونَ مَنْ وَرَدَ البريصَ عليهُمُ ... بَرَدَى يُصَفَّقُ بالرَّحيقِ السَّلْسَل
بِيضُ الوُجوهِ، كريمةٌ أحسابهُمْ ... شُمُّ الأنوفِ مِنَ الطِّرازِ الأوَّل
وعمرو بن كلثوم, وعدي بن زيد. كما ترد أسماء المدن والقرى العربية في الشام والعراق في شعر هؤلاء الشعراء, مما يُعدُّ دليلًا على الوجود العربي ديموغرافيًا وثقافيًا قبل الفتح الإسلامي بقرون عديدة.
وقد شهدت دمشق في تلك القرون حدثًا فائق الأهمية هو انتشار المسيحية, وكان لدمشق دور محوريّ في هذا الميدان, وهي التي استقبلت بولس الرسول, وهي التي ساهمت في انتشار المسيحية بين سكّان بلاد الشام من عرب وآراميين أصبحوا يدعون بالسريان بعد اعتناقهم المسيحية.
ثانيًا: كان فتح العرب المسلمين لبلاد الشام تحريرًا لها من السيطرة الأجنبية الأوربية المتمثلة بالبيزنطيين وقبلهم الرومان والإغريق. وكانت معركة اليرموك بمثابة الرد الحاسم الذي أعاد للشرق كرامته بعد احتلالٍ أوربي طويل, وهذه المعركة رسمت تاريخ البلاد بصورة نهائية، وأعادت الاعتبار لسائر أطراف التركيبة السكانية التي تشكل البلاد.
ولم تكن دمشق غريبةً عن العرب المسلمين الفاتحين, ولم يكونوا غرباء عنها, وهي المدينة التي يشكل العرب جزءًا هامًا من نسيجها الديموغرافي قبل الإسلام.
وقد كانت محطة أساسية في (رحلة الشتاء والصيف) ، وكان أبناء قريش يعرفونها تمام المعرفة.
وخلال نصف قرن (وهي فترة قصيرة جدًا في عمر التاريخ والشعوب) تغدو دمشق عاصمةً لأكبر دولة عربية عرفها التاريخ, ويقول عنها الجاحظ: دمشق عاصمة الدولة العربية الأعرابية, فقد كانت دمشق حاضرةً مزدهرةً تضرب جذورها عميقًا في تاريخ الحضارة الإنسانية, وكانت في الوقت نفسه على طرف البادية التي تعجّ بالقبائل العربية, وهي القبائل التي كرّست سريعًا قيام تلك الدولة المترامية الأطراف, والتي بلغت مع نهاية القرن الهجري الأول حدود جبال البيرنيه غربًا والصين شرقًا, ممتدّة على ثلاث قارات بمساحة تقارب /20 مليون كم 2/ كانت تدار مركزيًا من دمشق، عاصمة تلك الدولة الكبرى التي أخذت شكل الإمبراطورية العظمى, والتي ألغت وقزّمت أكبر إمبراطوريتين قبلها: الرومان والفرس الساسانيين.
ولعلَّ شوقي قد عبّر عن هذا الامتداد حينما قال:
لولا دمشقُ لما كانتْ طليطلةٌ ... ولا زَهَتْ ببني العبّاس بَغْدانُ
في تلك الفترة ... أي في أواخر القرن الهجري الأول كانت دمشق قد ازدادت عظمتها ببناء الجامع الأمويّ أيام الوليد بن عبد الملك, وفي أيام الوليد كانت الدولة العربية في أوج استقرارها السياسي وامتدادها الجغرافي, وتطورها العمراني. وما يعنينا في هذا المجال أولًا هو الجانب الثقافي المتصل بالتعريب واللغة العربية وعلومها المختلفة.
ويمكننا الوقوف على أبرز الإنجازات في الأمثلة التالية:
1 -تعريب الإدارات والدواوين, وما يتصل بذلك من إعداد الموظفين المدربين الذين قاموا بنقل المراسلات