حيِّ الشآم [1]
إيليا أبو ماضي
حيِّ الشآم مهنّدًا وكتابًا ... والغوطةَ الخضراءَ والمحرابا
ليست قِبابًا ما رأيتُ وإنّما ... عزمٌ تمرّد فاستطال قِبابا
فالثِمْ بروحك أرضها تلثِمْ عصورًاَ ... للعلى سكنت حصًى وترابا
واهبط على بردى يصفِّق ضاحكًا ... يستعطفُ التلَعاتِ والأعشابا
روحٌ أطلّ من السماء عشيةً ... فرأى الجمال هنا ... فحنَّ، فذابا
وصفا وشفَّ فأوشكت ضفآتُهُ ... تنسابُ من وجدٍ به منسابا
بل أدمعٌ حورُ الجنان ذَرَفْنَها ... شوقًا، ولم تملك لهنَّ إيابا
بردى ذكرتُك للعَطاشى فارتَوَوْا ... وبني النُّهى فترشَّفوكَ رِضابا
مرّت بكَ الأدهارُ لم تخبُثْ، ولم ... تفسد، وكم خبُثَ الزّمانُ وطابا
بأبي وأمّي في العراء موسَّدٌ ... بعث الحياةَ مطامعًا ورِغابا
لمّا ثوى في ميسلونَ ترنّحتْ ... هضباتُها وتنفّست أطيابا
وأتى النجومَ حديثُهُ فتهافتتْ ... لتقومَ حرّاسًا له حُجّابا
ما كان يوسفُ واحدًا بل موكبًا ... للنور غلغل في الشموس فغابا
هذا الذي اشتاق الكرى تحتَ الثرى ... كي لا يرى في جِلَّقَ الأغرابا
وإذا نبا العيشُ الكريمُ بماجدٍ ... حرٍّ رأى الموتَ الكريمَ صوابا
إنّي لأُزهى بالفتى وأحبُّهُ ... يهوى الحياةَ مشقّةً وصِعابا
ويضوع عطرًا كلّما شدّ الأسى ... بيديه يعركُ قلبه الوثّابا
ويسيلُ ماءً إن حواهُ فَدْفَدٌ ... وإذا طواهُ الليلُ شعّ شهابا
وإذا العواصفُ حجّبت وجه السما ... جدلَ العواصفَ للسما أسبابا
وإذا تقوّض صرحُ آمالٍ بنى ... أملًا جديدًا من رجاءٍ خابا
(1) (*) ديوان إيليا أبو ماضي، شاعر المهجر الأكبر، تقديم: جبران خليل جبران، دار العودة، بيروت، ص 167 - 170.