أمَّ الحياةِ، وللحياةِ نعيمُها ... هل في ديارِكِ بعدُ من دَيّارِ؟
زهوُ الحضارةِ أنتِ مطلعُ شمسِهِ ... أفتغتدينَ وأنتِ دارُ بَوارِ؟
ويحَ الحضارةِ؛ كيف يَمتَهِنُ اسمَها ... متكالبون على الضِّعافِ، ضواري؟
همْ أورَدوكِ وأصدروكِ على صدى ... فشقيتِ في الإيرادِ والإصدار
هم أحرجوكِ فأخرجوكِ مهيجةً ... فصرختِ فيهم صرخةَ الجبّار
طالت لياليكِ الثلاثُ وإنّما ... في مثلهنَّ يلوح نهجُ السّاري
ما انهار قصرٌ في حِماكِ ممرَّدٌ ... إلاّ ليرفعَ فيكِ قصرَ فَخار
ما دمّروكِ همُ ولكنْ دمّروا ... ما كان فيكِ لهم من (استعمارِ)
حملوا عليكِ مواثبينَ وما لهم ... ثأرٌ، وثرتِ وأنتِ ربّةُ ثار
ما ينقِمون عليكِ إلا أنّهم ... شهدوكِ غيرَ مَقودةٍ لصَغار
فإذا المنازل وهي شامخةُ الذُّرى ... منهار أطلالٍ على منهار
وإذا المدينة (تدمرٌ) أو (نينوى) ... أنقاضُ عمرانٍ ورسمُ دمار
قم سائلِ الأجيالَ يا بن نسيجِها ... واستوحِ غامضَ سرِّها المتواري
فلعلَّ عبرةَ مجتلي صفحاتِها ... فيما محاه الدهرُ من أسطار
إنَّ الشعوبَ لتستفيقُ إذا انتشتْ ... والصحوُ غايةُ نشوةِ الإسكار
أرأيتِ كيف طغى الفِرَنْجُ وأوغروا ... صدرَ الأسنّةِ أيّما إيغار
أرأيتِ كيف استهتروا بمطامعٍ ... فيها المصارعُ، أيَّما استهتار
الشرق بين قويِّهم وضعيفِهم ... متداولُ الأنجادِ والأغوار
وبنوه بين وعيدهمْ ووعودِهمْ ... شتّى المذاهِبِ، شُرَّدُ الأفكار
لا تأمنَنَّ فأنتَ بين مكافحٍ ... منهم وبين مخادعٍ غرّار
وانظر إلى الآلافِ من بُسلائهم ... يغزوهمُ مئةٌ من (الثوّارِ)
من كلِّ مغوارٍ صليبٍ عودُهُ ... يقتادُ كلُّ مدجَّجٍ مغوار
الواثبين إذا يُقال: تأهّبوا ... والقاحمين إذا يُقال: بَدَار
إن أنصفتْ أيام (ذي قارْ) لنا ... سلفًا فنحن اليوم في (ذي قارِ)
طارتْ بألبابِ الفِرِنْجةِ صيحةٌ ... في الشامِ فاندفعوا إلى الأسوار
واستهدفوا الأطفالَ في حُجُراتِها ... والمُطْفِلاتِ وهنَّ في الأخدار
عمّوا بمضطرِبِ القذائفِ كلَّ ذي ... ضَعْفٍ، وخصُّوا كلَّ ذاتِ إزار