ذلك مقصورة على ما جاهر به رجال من أمثال بوهمند ورگوند وصنجيل، الذين أعلنوا عزمهم على تأسيس ممتلكات لهم في الشرق فحسب، وإنما كان حافزا لمعظم الحجاج الورعين والسذج الذين ساروا وراءهم، والذين كانوا يرمون الى إحياء المسيحية في الأراضي المقدسة، بما في ذلك الاحتلال العسكري لمدينة القدس الحصينة. لقد كان الاستيطان الدائم يتطلب حيازة أراض أخرى، فأسس الفرنجة لأنفسهم مستوطنات على الساحل السوري من أجل تأمين مواصلاتهم مع الغرب وليسيطروا على الطريق التي تصل بين الموانيء وممتلكاتهم الداخلية. أضف إلى ذلك أن الأرض كانت مطلوبة لأنها الأساس المادي لإقامة الحكومة. ورغم كون الحكام اللاتين يملكون موارد مادية، على شكل ضريبة الرؤوس، والمكوس، والرسوم المفروضة على التجارة، وهي ضرائب غير معروفة بالدرجة نفسها في أوروبا الغربية، فإن قدرتهم على الإيفاء بالأعباء الإدارية والعسكرية للحكومة ظلت تعتمد، والى درجة كبيرة، على سعة ممتلكاتهم من الأراضي (1) . وكانت هذه الحقيقة هي الدافع الأساسي للحرب العدوانية التي خاضها الحكام اللاتين الأوائل، أكثر من حماستهم لحرب مقدسة، أو تفكيرهم في العراء الشخصي، أو المناصب الشخصية أو رغبتهم في التجارة. وكانت الدخول التي يحصلها الحاكم الاقطاعي سنوية تؤمن نفقاته الشخصية كلها والمصاريف الحكومية الطارئة. ولما كان يعيش على حسابه الخاص، فقد كان استقراره في الحكم مرهونة بصورة رئيسية بما يملكه من أراض تشكل أكبر مصدر لقوته. وكان يلح في طلب الأراضي أيضأ لكي يقطعها لأتباعه المباشرين، الذين يمكن أن يخدموه في بلاطه وفي جيشه، مشكلين بذلك أساس قوته المسلحة. وهذا هو السند الحقيقي للحاكم الفرنجي في هيمنته على الشعوب الشرقية التي تعيش ضمن الدويلات اللاتينية، ووسيلته الوحيدة لمقاومة الغزو من الخارج. أصبحت قوة الحكام اللاتين العسكرية تعتمد في النصف الثاني من القرن الثاني عشر على الأخويات الرهبانية العسكرية،