تحصينها قبل محاولة التقدم باتجاه القدس. وكان هنالك جيش مسلم يقف فم بالمرصاد ويعيقهم عن تحقيق خطتهم العامة، وكان هذا عائقا لم يعهده رجال الحملة الصليبية الأولى. لقد كان نجاح الحملة الصليبية الثالثة في استرداد الأماكن المقدسة مرهونة بمقدرة الفرنجة على إلحاق هزيمة حميمة بجيش صلاح الدين، بحيث لايستطيع بعدها البقاء في الميدان. بينما كان صلاح الدين جاهزا للإفادة من ميزة تفوق قواته في القتال أثناء المسير، وحدث نتيجة ذلك صراع منقطع خلال مسيرة الفرنجة باتجاه الجنوب بلغ ذروته في السابع من شهر أيلول (سبتمبر) من العام 1991 بوصولهم إلى أرسوف (عتليت) . وهنا كان النصر حليف الفرنجة، إلا أن وصف الضرر الذي ألحقوه بالعدو بأنه و ضربة ساحقة: فيه مبالغة كبيرة وتناس للهدف الذي دارت المعركة من أجله. فعلى الرغم من تراجع المسلمين عن أرسوف، والخسائر التي لحقت بهم، كان صلاح الدين قادرة على إعادة تنظيم جيشه والاحتفاظ به، وكانت هذه الحقيقة وحدها
كافية لجعل حصار القدس مستحية تقريبا من وجهة النظر العسكرية. إذ أن جبل القدس Judean Plateou القاحل الذي تنتصب المدينة فوقه، والذي تدين له بأمنها على مر التاريخ (1) ، خلق صعابا كبيرا في وجه الحملة الأولى، مع أنه لم يكن يواجهها عدو في الميدان. بينما واجه ريتشارد هنا صلاح الدين، والت مواجهنه إلى الفشل لأنه لم يستغل الحماس الصليبي لدى الحجاج، ولم يختبر نقاط الضعف لدى عدوه بدرجة
كافية
إن الغرض من هذا الفصل تقديم إطار زمني للأحداث العسكرية، التي سنشير إليها في الفصول اللاحقة من جهة، وايضاح، الطبيعة العامة للحرب في سورية اللاتينية خلال القرن الثاني عشر من جهة أخرى، ونلاحظ هنا أن هذه الحرب تعرض مشهد جيشين، عقدا العزم على تدمير بعضهما بعضا إلا فيما ندر، وأن النهاية الفعلية للنشاط العسكري هي الاستيلاء على الأماكن المحصنة والدفاع عنها، وقد يكون الصراع في أبسط أشكاله ما بين جيش من جهة وحامية نمط أسوار