مناسب (1) . وكانت الأفكار الحربية لذلك العصر تتطلب أن يرتب القائد قواته في صفوف منتظمة، ولما كان المسلمون يعتمدون في نجاحهم التكتيكي على العثور على نقاط ضعف في تشكيل الفرنجة أو خلق نقاط الضعف هذه، فقد كان من الضروري جدا أن يحافظ الفرنجة على ذلك التشكيل حتى الانقضاض الأخير الذي يشنه الفرسان. وكانت الفكرة التي تتحكم بهم هي المحافظة على تماسك القوة
بكاملها وصمودها، وكان التعاون الوثيق بين الخيالة والمشاة عامة هامة وضرورية البلوغ تلك النهاية.
أشير في فصل سابق بأن الرجوع الى الأحداث البارزة في تاريخ فن الحرب في سورية اللاتينية يكفي للدلالة على أن المجهود الحربي كان محددة بالهدف الفوري والمباشر لكل حملة، ولم يكن قط مكرسة لتدمير العدو تدمير تامة (2) . ولعل أحداث العام 1164 أفصح بيان عن وجود هذا المفهوم عن الحرب المحدودة باعتبارها جزءا من النظرة المعاصرة إلى الحرب. ذلك أنه عندما هاجم نور الدين حارم في أمارة أنطاكية (3) ، هب کلامان Calaman حاكم قليقية البيزنطي، وطوروس أعظم أمراء الأمن المستقلين لنجدة الفرنجة الشماليين وشكلوا مع حلفة قوية ضده (نور الدين) (4) . ولم تكد قواتهم تقترب حتى رفع نور الدين الحصار. ويجزم المؤرخون المسلمون أنه رغب في اجتذاب الفرنجة لمطاردته، إلا أن عمله في الواقع لم يكن أكثر من تطبيق لممارسات القرن الثاني عشر (!!) . ولم يشأ المخاطرة في معركة على الأرجح - من أجل متابعة خطته الأساسية التي وضعها للغزو فعمد إلى سحب قواته منجزا الهدف الذي حدده للغزو، بينما ظلت حارم في يد الفرنجة.
(1) من الحقائق الثابتة أن الفرنجة حققوا انتصاراتهم بانقضاضهم الشهير أي يفصل السلاحين عن
بعضهما في الوقت المناسب.
(2) أنظر أعلاه ص 53 - 7 ه.
(4) وليم الصوري. ص 899؛ أين الأثير ص 538، ابن الأثير - أثابكة الموصل ص 219،
221، كمال الدين ص 539