بيد أن القيادة الخاطئة - على كل حال - ورطت الفرنجة في عملية مطاردة القوة نور الدين. وتمت هذه الحركة على عجل وبدون تحفظ، فتصدع رتل الفرنجة وانقسم وفقد تشكيله بحيث أصبح في وسع المسلمين الكر على الجيش المسيحي وتحطيم مفارزه بعد أن انفصلت كل على حدة. وكانت نتيجة هذا النصر أن استرد نور الدين حارم ثم أتبع بها بانياس في العام نفسه. ويقول المؤرخون العرب أن نور الدين ربح المعركة بفضل خطة مدروسة وضعها تضمنت عمليتي تراجع زائفتين وكمين (1) . وقد نهج بعض المؤرخين المحدثين على هذا النهج وصوروا المشهد بكامله على أنه عمل أخر تمكن فيه نور الدين بفضل تفوقه في الدهاء من فصل الخيالة المسيحية عن جنود المشاة، الأمر الذي أتاح له النصر المؤزر (2) .
لقد تم تسجيل ذلك بالاستناد إلى الشواهد التي قدمها المؤرخون العرب في كتاباتهم بعد سنوات كثيرة من حدوثه، ولكنه لا يعكس تعليق الملك أمليك نفسه عليه بعد خمسة أشهر فقط من تلك المعركة (!!) (*) . بيد أن المؤرخين العرب والمؤرخون المحدثين الذين نحوا نحوهم أغفلوا الحقيقة، التي قد تجعل خطط نور الدين تذهب أدراج الرياح فيما لو لم يعمد الفرنجة الى مطاردته. وأن الأفكار الحربية في تلك الأيام
كانت تشجب مثل هذه المطاردة وترى أن أمراء اللاتين حققوا مهمتهم الحربية عندما تمكنوا من رفع الحصار عن حارم (!!) .
فقد كتب أملريك في رسالة وجهها إلى الملك لويس السابع قائلا (3) :
(1) ابن الأثير، ص 539، ابن الأثير أثابكة الموصل - ص 222
(3) أرخت الرسالة بتاريخ الرابع عشر من كانون الثاني (يناير) 1190. بيئيا جرت المعركة في العاشر
من شهر آب من العام السابق، سجل رقم 411. أما النص الكامل فيمكن الرجوع إليه في مجموعة ,
(*) يحاول المؤلف هذا الاستناد إلى القواعد الأساسية المطبق في التكتبك دون مراعاة الظروف الموضوعية
التي دفعت الفرج إلى مطاردة نور الدين، والتي لا بد أن يكون هذا الأخير قد راعاها عند انسحابه (م. م)