فهرس الكتاب

الصفحة 424 من 486

كانت فكرة الحرب المحدودة وانجاز الهدف العسكري مع الاقتصاد بالقوى هي التي تفرض نفسها على الفرنجة. إذ لم يكن لديهم عدد كافي من الرجال أو الوسائل التشكيل جيش كبير العدد؛ وكانت ممتلكاتهم في سورية ترتكز إلى المدن المحصنة والقلاع المنيعة، وإذا ما هزموا في الميدان فإنهم يتعرضون لخطر فقدان جيشهم ومعاقلهم في آن واحد. ولم يكن من مصلحتهم بالتالي خوض معركة غير مفروضة عليهم أو ضرورية لهم (*) .

أضف إلى ذلك أنه يمكن تحقيق النجاح كاملا في حملة دفاعية دون خوض معركة أو مع خوضها سواء بسواء. لأن هزيمة القوات الغازية تعني - بطبيعة الحال - نهاية الحملة، إلا أن قيام دولة مسلمة قوية في بلاد الشام على يد زنكي ونور الدين وصلاح الدين جعل فرص تحقيق مثل هذا النصر في المعركة أقل قليلا. لأن هؤلاء القادة كانوا يملكون احتياطات تمكنهم من دفع قوات جديدة الى الميدان دون تأخير يذكر (1) . ولم يكن للمعركة الناجحة، بكل المخاطر التي تنطوي عليها، أكثر من تأثير فوري ومؤقت على العدو العام على القتال. وفي هذه الحالة قد لا يكون للمغامرة ما يبررها إذا ما تذكر المرء أن التأثير نفسه قابل للتحقيق بدون خوض المعركة. إذ كانت جيوش المسلمين الضخمة طوال ذلك القرن تطلب التفرق كل إلى بيته مع حلول الخريف وإثر كل غزوة ناجحة، وعندما تتوفر إمكانية منعهم من فرض حصار ناجح خلال موسم الحملات فإن غزوتهم لم تكن تحقق نتائج ذات ديمومة , وكان ذلك يتحقق بالإبقاء على جيش في الجوار بهدد عمليات حصارهم ويقطع طرق إمدادهم. ويمكن بالتالي بلوغ الهدف الأساسي للحملة الدفاعية دون خوض معركة، إذا أمكن

(*) ملاحظة: يستند المؤلف في استنتاجاته السابقة كلها إلى النتائج التي أسفرت عنها معركة حطين

والتي كادت تعصف بدلات الفرنجة، وهو يتجاهل عن عمد الظروف الموضوعية المحملة بكل

معركة ما يتجاهل بداهة القادة التي تستند بالدرجة الأولى على تلك الظروف. م. م

(1) كانت هزيمة نور الدين في البقيعة نتيجة لحصره تفكيره في الانتقام فقط. ابن الأثير - أثابكة

الموصل ص 209 - 10، وفي العام الذي تلا ذلك مباشرة توفرت له القدرة على تحقيق نصر أهم من ذلك بكثير على القرية عند حارم. وفي العام 1177 تکبد صلاح الدين هزيمة نكراء على يد بلدوين الرابع عند تل الجزر ولكنه ثأر لنفسه ثأرا كاملا في العام 1179.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت