بأن الفرنجة كانوا بحاجة إلى حشد جميع قواهم العسكرية لمواجهة جيشه، وليس لديهم بالتالي أية مصادر أخرى يصدون فيها تلك الهجمات (1) . وثانيهما أنه كان يلجأ إلى اتلاف المناطق الريفية الزراعية إذا لم يستطع تحقيق أهدافه الرئيسية من الحرب والتي كانت تنصب على استرداد الأراضي التي يحتلها اللاتين من خلال تدمير جيشهم والاستيلاء على معاقلهم (2) . وقد سبق وأشرنا إلى أن الفرنجة كانوا يرون في مثل هذا النشاط سبأ أولية لإفقارهم وما ينتج عنه من عجزهم عن تنظيم المقاومة العسكرية المناسبة (3) . كما أن اصرار صلاح الدين الملح على تنفيذ سياسة الغارات التخريبية هذه يدل على أنه كان يدرك أيضا مدى ما يسببه من متاعب للفرنجة بلجوئه إلى هذه الأساليب. وقد طبق صلاح الدين في حملته التي قام بها في العام 1182 هاتين الطريقتين معا. فعندما قاد بلدوين جيشه لملاقاته في شرقي الأردن ترك المملكة دون أية قوات فيها. فاغتنم الفرصة عز الدين فروخشاه إبن أخي صلاح الدين وواليه في دمشق، فغزا الجليل بصحبة أمراء كل من، بصرى وبعلبك وحمص حيث وجدوا سكان تلك المنطقة عزلا من كل حماية، واكتسحوا الدبورية وعددا من الأماكن الأخرى القريبة منها، واستردوا في طريق عودتهم إلى دمشق قلعة حبيس جلدك في السواد التي كانت في يد الفرنجة (4) .
في تلك الأثناء كان صلاح الدين قد وطد وضعه بنجاح قرب عين ماء جربا Jerba ، وأصبح في مقدوره اكتساح المناطق المزروعة المجاورة لقلعة الشوك (5) . وكان في الشوبك قوات فرنجية وفيها وليم الصوري الذي كان من رأيه أن يستخدم الجيش
(1) غزا المملكة في العام 1177 لأن بلدوين أرسل مئة فارس وألفي راجل إلى أنطاكية لمساعدة كونت
القلائدر في حصار حارم، وليم الصوري ص 1037
(2) أقام صلاح الدين معسكر جيشه في العام 1979 قرب ماتياس وأرسل مفارز منه لتعيث في أياف صيدا وبيروت، وطبقت اجراءات مماثلة في حملات العام 1182، 1189،1183، 1187.
(3) أنظر أعلاه مي 194 والمراجع
(4) حول هذه الحملة أنظر إليهم الصوري ص 1089 - 91، ابن الأثير ص 431 - 2، أبوشامة
هي 217 - 18. .
(5) وليم الصوري ص 1099، ابن الأثير ص 151، أبو شامة ص 217