وبعد ليلة مؤرقة وجدوا أنفسهم وجها لوجه مع عدوهم (1) . وهنا تطور الموقف التكتيكي بصورة طبيعية: إذ حاول المسلمون إجبارهم على الاشتباك معهم، ولكن الفرنجة رغبوا في المحافظة على تشكيلتهم ورفضوا الانجراف وراء التحدي وخوض معركة فاصلة. وراح النشابون المسلمون الراكبون يغيرون عليهم حتى ليكادوا يلتحمون بهم بين الحين والآخر (2) . وكان الفرسان اللاتين يردون على تلك الإغارات بمناوشتهم، وهذا هو السبب الذي حدا ببعض الكتاب إلى الإشارة إلى ما حدث وكأنه معركة (3) . ولكن الأرجح هو عدم وقوع التحام فاصل رغم لحظات قصيرة نشب فيها قتال شديد. وبعد أن فقد صلاح الدين الأمل في تحقيق نجاح تكتيكي انسحب قاصدة دمشق، إلا أن المهام العسكرية لأتباع ملك القدس الاقطاعيين والمرتزقة من جيشه لم تنته بعد. إذ خطط صلاح الدين لمهاجمة بيروت بالتعاون مع الأسطول المصري، وعندما شاهد رصاده على جبل لبنان السفن قادمة أجتاز صلاح الدين تلك السلسلة على عجل عن طريق محمر المنيطرة وهاجم المدينة. وتحرك الفرنجة مرة أخرى من الصفورية، وتوجهوا هذه المرة باتجاه صور، حيث نظم الملك كل ما توفر لديه من السفن من أجل نجدة بيروت من البر والبحر. وعندما علم صلاح الدين بما قام به ملك الفرنجة رفع الحصار عنها وانسحب من أراضي الفرنجة. وقد ترافق هذا الهجوم بهجوم مضلل قام به أجناد مصريون في جنوبي فلسطين وبأعمال التخريب المعتادة في الريف السوري.
بعد عام من العمليات العسكرية تمكن خلاله صلاح الدين من ضم العديد من مدن الجزيرة والعراق مع مدينة حلب إلى سلطنته، توجه عائدة إلى دمشق ووصلها في 24 آب 1183، حيث مكث شهرا ثم عاود هجومه على الفرنجة ودخل
(1) وليم الصوري ص 1094.
(2) ابن الأثير ص 103، أنظر كذلك الرسالة التي وجهها صلاح الدين إلى الخليفة والتي ذكرها
القاضي الفاضل ونقلها أبو شامة ص 218 - 22, وهي تشير إلى الصعوبات التي يواجهها في اغراء الفرجة بخوض المعركة رغم أنهم خاضوا المعركة في حائمة المطاف، وأنهم لم يفعلوا ذلك برغبة
منهم وإنما أضطرتهم الحاجة إليها (ص 221)
(3) ستيفنسون بشكل خاص ص 227.