المكانين. ومن الواضح أن الفرنجة شكلوا أرتالهم بعناية شديدة وشرعوا يتقدمون وقد وطدوا العزم على احتلال مناهل الماء تلك (1) . بينما راح المسلمون يرهقونهم بالرمي بالنشاب وهجماتهم المرتدة المتكررة - وكان هؤلاء يزيدون من ضغطهم أحيانا إلى درجة تدفع الفرنجة إلى شن الهجمات المعاكسة للمحافظة على صفوفهم. وقد خاض الفرنجة هنا -كما كان شأنهم في عام 1111 وعام 1182 - مسيرة قتالية لم يتحول إطلاقة إلى معركة نظامية.
ويذكر هذان أن المصدران الرئيسيان بوضوح أن صلاح الدين تخلى عن نبعي الماء وتحرك بجيشه منحدرة على مجرى الجدول. وظل الجيشان يراقبان بعضهما بعضا من هذين الموضعين الجديدين لمدة ثمانية أيام تابع خلالها المسلمون إزعاج الصليبيين (2) واستفزازهم واعتراض قوافل الإمداد التي كانت تحاول الوصول إلى معسكر اللاتين. بينما حافظ الفرنجة على صمودهم السلبي الذي لم يتح للمسلمين أية فرصة لتحقيق نجاح تکتيکي. وعندئذ حاول صلاح الدين تحريض الفرنجة على مغادرة الموقع بأن تحرك هو نفسه باتجاه جبل طابور ولكن غي لم يلحق به، وإنما انطلق مباشرة باتجاه الفولة. وسارع المسلمون مجددا إلى مهاجمتهم ولكن صلابة اللاتين قصرت أعمالهم على الرمي بالنبال وشن الهجمات الخفيفة والمتكررة، وعندما تيقن صلاح الدين أنه لن يحظى بشيء من وراء ذلك وأخذت مؤنه بالتناقص أنهي حملته تلك بينا کر الفرنجة عائدين إلى الصفورية.
إن هذا الحدث يدل على أن سياسة الفرنجة الدفاعية كانت تتطلب تمرکز في قاعدة جيدة الإمداد وفيرة المؤن. وقد نسيت مفارز الإغارة من جيش
(1) أرنول ص 99، أبو شامة ص 247، بهاء الدين ص 75 «حافظ الفرنجة على صفوفهم متراصة
وتولت مشاتهم حماية الفرسان ولم يقوموا بأي انقضاض إطلاق كما لم يتوقفوا أبدأ، وإنما ظلوا يتقدمون حتى وصلوا النبع وعسكروا حوله».
(2) بهاء الدين ص 70، أبو شامة ص 245