ومن خلال استقراء كتب الأصول التي وصلت إلينا يمكن القول بان ابن السبكي (ت 771 هـ) ، والإسنوي (ت 772 هـ) من أوائل علماء هذا الفن الذي اعتنوا ببحث أحكامه من الجانب النظري، حيث أشارا -في ثنايا شرحهما لعبارة البيضاوي (ت 685 هـ) : [الاستصحاب حجة] - إلى أن من أقسام الاستصحاب نوعًا يعرف بـ: الاستصحاب المقلوب، ثم بينا حقيقته، ومثاله، ورأي الشافعية في حكم الاحتجاج به، وحجتهم في ذلك، وأشهر الفروع الفقهية التي بناها فقهاؤهم عليه [1] .
على أن هذا النوع من الاستدلال متداول في كتب الفقهاء -وخصوصًا فقهاء الحنفية- قبل هذا بقرون، فمن تأمل كتب السرخسي (ت 490 هـ) ، والكاساني (ت 587 هـ) ، والمرغيناني (ت 593 هـ) وجدها تتضمن فروعًا مختلفة مبنية على هذا الدليل، وإن كانوا يعبرون عنه بـ:"تحكيم الحال"، وسيأتي بيان أهم هذه الفروع في المبحث الرابع بعون الله تعالى.
وقد حاول بعض المتأخرين من علماء الأصول ضبطه بتعريف يكشف عن ماهيته ويفصله عما سواه، ومن أهم التعريفات التي ذكروها ما يأتي:
1 -أن المراد به:"ثبوت أمر في الأول لثبوته في الثاني، لفقدان ما يصلح للتغيير".
وهو اختيار ابن السبكي (ت 771 هـ) في كتابه: جمع الجوامع [2] ، والأسنوي (ت 772 هـ) [3] ، والزركشي (ت 794 هـ) [4] .
2 -أنه:"استصحاب الحال في الماضي".
وهو اختيار ابن السبكي (ت 771 هـ) في كتابه الإبهاج [5] ، وبعض المتأخرين من علماء القواعد الفقهية [6] .
3 -أنه:"استصحاب الحاضر في الماضي"، وهو اختيار السيوطي (ت 911 هـ) [7] .
4 -أنه:"السريان من المستقبل للماضي" [8] .
(1) انظر الإبهاج 3/ 182، وجمع الجوامع 3/ 803، ونهاية السول 4/ 363.
(2) 3/ 803، وانظر حاشية العطار 2/ 389.
(3) انظر نهاية السول 4/ 363.
(4) انظر البحر المحيط 4/ 335، وتشنيف السامع 2/ 146.
(6) انظر درر الحكام شرح مجلة الأحكام 1/ 24، 4/ 295.
(7) انظر الأشباه والنظائر 76.
(8) انظر حاشية البجيرمي 4/ 390.