القول الرابع:
أن الاستصحاب لا يصلح حجة على الغير، ولكنه يصلح لإبداء العذر والدفع.
وهو المعمول به عند أكثر الحنفية، كما صرح بذلك عدد من محققي المذهب [1] .
قال أبو زيد الدبوسي (ت 430 هـ) -وهو يتحدث عن استصحاب حكم الحال لعدم الأدلة من طريق نظر المجتهد في الأدلة برأيه بقدر وسعه-:"وأما الثاني فصحيح إبلاء للعذر لا احتجاجًا على غيره لاحتمال قيام العلة عند غيره" [2] .
وقال ابن نجيم (ت 970 هـ) :"واختار الفحول الثلاثة: أبو زيد، وشمس الأئمة وفخر الإسلام أنه حجة للدفع لا للاستحقاق وهو المشهور عند الفقهاء" [3] .
وقد أشار إلى هذا الرأي أبو الحسن الكرخي (ت 340 هـ) في أصوله، حين قال:"الأصل أن الظاهر يدفع الاستحقاق ولا يوجبه" [4] .
حجة أصحاب هذا القول:
استدل أصحاب هذا الرأي على قولهم بأنه لا يصلح حجة على الغير بأن المجتهد المتأمل وإن بالغ في النظر فالخصم يقول قام الدليل عندي بخلافه، وبالتأمل والاجتهاد لا يبلغ المرء درجة يعلم بها يقينًا أنه لم يخف عليه شيء من الأدلة، بل يبقى له احتمال اشتباه بعض الأدلة عليه، وما كان في نفسه محتملًا عنده لا يمكنه أن يحتج به على غيره [5] .
واستدلوا على قولهم بأنه يصلح لإبداء العذر والدفع بذات الحجة التي استدل بها أصحاب القول الثالث على قولهم بأنه حجة على المجتهد فيما بينه وبين الله [6] .
ويمكن أن يناقش هذا الدليل بالقول:
إننا نسلم لكم عدم صحة الاحتجاج بالاستصحاب على الغير إذا كان لدى الخصم دليل
(1) انظر تقويم الأدلة 400، وأصول السرخسي 2/ 224 - 225، والتحرير 522، وكشف الأسرار 3/ 662 - 663، والتقرير والتحبير 3/ 386، والأشباه والنظائر لابن نجيم 73.
(2) تقويم الأدلة 400.
(3) انظر الأشباه والنظائر 73.
(4) انظر تأسيس النظر 161.
(5) انظر أصول السرخسي 2/ 225، وتقويم ا لأدلة 400.
(6) انظر كشف الأسرار 3/ 666.