فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 81

استصحاب نفي التحريم أو الإباحة مبني على مسألة الأعيان قبل الشرع [1] .

ويظهر لي أن هذا الرأي محل نظر، إلا إذا كان القائل به يقصد الخلاف في صورة واحدة وهي استصحاب حكم العقل في الأشياء قبل ورود السمع، وقد تقدم في التمهيد أن هذا هو رأي المعتزلة، وأن أهل السنة يرون أن لا حكم في الأشياء قبل ورود السمع [2] ، ومن المعلوم أن للاستصحاب صورًا أخرى من أشهرها استصحاب الدليل الشرعي حتى يرد الناقل عنه، فكيف يمكن أن يقال إن الخلاف فيها مبني على مسألة حكم الأشياء قبل ورود السمع؟.

وحيث قد ترجح أن الخلاف في هذه المسألة لفظي وليس حقيقيا فلا سبيل إلى القول بأن منشأَ الخلاف فيها هو الخلاف في هذا الأصل أو ذاك.

المطلب الثاني: حكم الاحتجاج بالاستصحاب المقلوب:

عطفًا على الخلاف السابق في حكم الاحتجاج باستصحاب الحال عمومًا يمكن القول -نظريًا- بأن الخلاف في الاستصحاب المقلوب يتخرج على ذلك الخلاف، على اعتبار أنه نوع من أنواعه.

لكنني لم أجد -فيما اطلعت عليه من كتب الأصوليين والفقهاء- من صرح بأن تلك الأقوال الستة تجري في الاستصحاب المقلوب، وإنما الذي أشار إليه العلماء الذين تناولوا حكمه -وهم قلة- أن الاحتجاج به محل خلاف بين العلماء على قولين.

القول الأول: أنه حجة.

وهو المعمول به عند أكثر فقهاء الحنفية كما تشهد بذلك فروعهم [3] ، بل إن بعض علمائهم عده أصلًا مقررًا.

يقول السرخسي (ت 490 هـ) :"الأصل أن المنازعة متى وقعت في الحالة الماضية يحكم الحال" [4] .

(1) انظر المسودة 488.

(2) انظر البحر المحيط 4/ 330، وارشاد الفحول 238.

(3) سيأتي بيان ذلك عند الكلام على أهم الفروع الفقهية المبنية على هذا الدليل، ولا تناقض بين هذه النسبة وبين ما تقدم من أن أكثر الحنفية يرون عدم حجية الاستصحاب، وذلك لأن الخلاف في هذه المسألة لفظي كما جرى بيانه، ولعل مما يؤكد ذلك كثرة استدلالهم به في الفروع.

(4) نقل ذلك عنه صاحب شرح فتح القدير 7/ 362، وانظر عبارة له قريبة من هذه العبارة في المبسوط 6/ 166.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت