وهي إحدى القواعد المتفرعة عن قاعدة:"اليقين لا يزول بالشك"، وأكثر من يتداولها فقهاء الحنفية [1] .
والمراد بها عندهم: أن المتنازع فيه إذا كان قديمًا لا يوجد من يعرف أوله فيجب أن تراعى فيه حالته التي هو عليها من القديم، بلا زيادة ولا نقص ولا تغيير ولا تحويل [2] ، ما لم يثبت خلافه، لأن بقاء الشيء مدة طويلة دليل على أنه مستند إلى حق مشروع، فيحكم بأحقيته، ولأن الأصل إحسان الظن بالمسلمين، وأنهم لم يضعوه إلا بوجه شرعي [3] .
ووجه صلتها بالاستصحاب المقلوب: أن من دلائل الحكم بقدم الشيء استصحاب حاله الحاضرة في الماضي، بمعنى: أن وجوده على حال معينة في الحاضر دليل على أنه كان على هذه الحال في الماضي.
ويظهر وجه الصلة من خلال بعض الأمثلة والفروع التي بناها الحنفية على هذه القاعدة، وذلك كقولهم: إنه لو كان لأحد جناح في داره ممدود على أرض الغير، أو كان لداره مسيل ماء، أو أقذار في أرض الغير، أو كان له ممر إلى داره مثلًا في أرض الغير، وكان ذلك الجناح أو المسيل أو الممر قديمًا لا يعرف أحد من الحاضرين مبدأ لحدوثه فأراد صاحب الأرض أن يمنع صاحب الدار من مد الجناح أو التسييل أو المرور في أرضه، أو أراد أن يحول المسيل أو الممر ويغيره عن حاله القديم فليس له ذلك إلا بإذن صاحبه [4] .
ومن المعلوم أن حاصل الاستصحاب المقلوب الحكم بقدم الحال الحاضرة، وجعل ذلك حجة على صحة هذه الحال، وأنه لا يجوز الانتقال عنها إلا بدليل.
وقد أومأ إلى ذلك الشيخ أحمد الزرقا (ت 1357 هـ) حين قال:"ثم إذا جهل حال المتنازع فيه ولم يعرف هل هو قديم أو حادث، فالأصل فيه أنه إن كان في طريق خاص يعتبر قديمًا حتى يقوم الدليل على خلافه، وإن كان في طريق العامة يعتبر حديثًا، فللإمام أن ينقضه" [5] .
(1) انظر الهداية 4/ 107، والبحر الرائق 8/ 245، وحاشية ابن عابدين 6/ 443، 444، ومجلة الأحكام العدلية مادة 6، وقواعد الفقه 1/ 98، وهذه القاعدة يمكن إدراجها أيضًا تحت قاعدة:"لا ضرر ولا ضرار"، لأنها مستندة إلى هذا الحديث، وقد قيدها بعض الفقهاء بقاعدة أخرى وهي:"الضرر لا يكون قديمًا"، فصارت صيغتها:"القديم يترك على قدمه ما لم يكن ضررًا فاحشًا".
انظر في أحكام هذه القاعدة: مجلة الأحكام العدلية مادة 6، 7، والمدخل الفقهي العام 2/ 982، وشرح القواعد الفقهية للزرقا 95 - 104، والقواعد الفقهية للندوي 412 - 414.
(2) انظر شرح القواعد الفقهية للزرقا 95.
(3) انظر درر الحكام 1/ 21، والمدخل الفقهي العام 2/ 982، والوجيز للبورنو 99.
(4) انظر شرح القواعد الفقهية للزرقا 95.
(5) المصدر السابق 97.