الجميع، وهذا يدل على أن التمسك باستصحاب الحاضر في الماضي حجة، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قد عذرهم في استنادهم إليه لعدم علمهم بوجود الدليل المغير.
4 -أن الاستصحاب القلوب يحصل لدى المجتهد ظنًا، والظن -وإن كان ضعيفًا [1] - فإنه حجة متبعة في الشرعيات كما تقدم.
5 -أن القول بعدم صحة هذا الطريق يلزم منه تصحيح دعوى من ادعى بأن الحقائق الوضعية، والشرعية، والعرفية، وكافة المصطلحات، حادثة وليست قديمة، وهي دعوى باطلة، ومن المعلوم أن من أقوى طرق الحكم بقدمها أن يقال: إذا ثبت استعمال اللفظ في هذا المدعى فندعي أنه كان مستعملًا قبل ذلك، لأنه لو كان الوضع غيره فيما سبق لزم أن يكون قد تغير إلى هذا الوضع، والأصل عدم تغيره [2] .
6 -أن الحنفية -وهم الذين نقل عن أكثرهم إنكار حجية الاستصحاب مطلقًا، وعن بعضهم أنه لا يصلح حجة على الخصم-: من أكثر الفقهاء عملًا به في الفروع، بل إنه يعد من القواعد المشتهرة في مذهبهم [3] ، وقد سبق أنهم يطلقون عليه تحكيم الحال [4] .
قال السرخسي (ت 490 هـ) :"الأصل أن الاشتباه إذا وقع فيما سبق يحكم الحال كما إذا اختلف صاحب الرحا مع المستأجر في جريان الماء في المدة، فإن كان الماء جاريًا في الحال يجعل جاريًا فيما مضى" [5] .
إن المتأمل في هذه المسألة على ضوء الفروع المتداولة في كتب الفقهاء يمكنه أن يدرك أن الخلاف فيها خلاف لفظي وليس حقيقيًا، وذلك لأن فقهاء الحنفية والشافعية -وهم الذين نسب إليهم الاختلاف فيها- متفقون من حيث العمل على الاحتجاج بهذا النوع من الاستدلال وإن
(1) انظر شرح تنقيح الفصول 447.
(2) انظر البحر المحيط 4/ 335.
(3) انظر مجلة الأحكام العدلية 1/ 339 مادة 1683، ودرر الحكام 4/ 295، وقواعد الفقه 1/ 222.
(4) انظر بدائع الصنائع 4/ 92، 5/ 32، وفتح القدير 4/ 151، 7/ 341، والبحر الرائق 4/ 49، 50، وحاشية ابن عابدين 3/ 392، 393، 3/ 633، 5/ 455، 7/ 37، 7/ 495.
(5) المبسوط 6/ 166.