إن بحث حكم الاحتجاج بهذا النوع يتوقف على بحث حكم الاحتجاج بدليل الاستصحاب عمومًا، لأنه في حقيقة الأمر يؤول إلى استصحاب الحال في الزمن الماضي [1] .
يقول ابن السبكي (ت 771 هـ) :"واعلم أن الطريق في إثبات الحكم به يعود إلى الاستصحاب المعروف، وذلك لأنه لا طريق له إلا قولك لو لم يكن جالسًا لكان الاستصحاب يقضي بأنه غير جالس الآن، لكنه جالس الآن فدل على أنه كان جالسًا أمس" [2] .
ومراد ابن السبكي بالاستصحاب المعروف استصحاب الحال المتقدم وهو:"أن اعتقاد كون الشيء في الماضي أو الحاضر يوجب ظن ثبوته في الحال أو الاستقبال"، أو بعبارة أخرى:"ظن دوام الشيء بناء على ثبوت وجوده قبل ذلك"، وهو بهذا المعنى يشمل كافة صور استصحاب الدليل العقلي أو الشرعي حتى يظهر الناقل عنه، ولا يتناول استصحاب الحكم الثابت بالإجماع في محل الخلاف [3] ، وذلك لظهور الدليل الناقل بتغير صفة الحكم، وهو ما جعل الخلاف في هذه المسالة مستقلًا عن الخلاف في استصحاب الحال عند المحققين من علماء الأصول [4] .
ولذا فسيكون الكلام في حجية الاستصحاب المقلوب في مطلبين.
المطلب الأول: حكم الاحتجاج بالاستصحاب عمومًا:
تعد هذه المسالة من المسائل المشكلة في أصول الفقه، فقد اختلفت وجهات نظر علماء الأصول في طرحها، وجرى تناولها في بحوث ودراسات مستقلة، وإن تفصيل القول فيها يحتاج إلى دراسة موسعة، غير أني سأحاول في هذه الصفحات القليلة أن أعرض الخلاف فيها باختصار.
أولا: تحرير محل النزاع في المسالة:
1 -اتفق علماء الأصول على أنه لابد من استفراغ الجهد في طلب الدليل، وأنه لا يجوز للمجتهد العمل بالاستصحاب إلا بعد عدم وجدانه [5] .
(1) انظر البحر المحيط 4/ 335، وشرح القواعد الفقهية للزرقا 90، والمصادر الأصلية والتبعية للشريعة الإسلامية (مجلة جامعة الإمام عدد 2، ص 42) .
(2) الإبهاج 3/ 182.
(3) انظر المصدر السابق، 3/ 183، وشرح مختصر الروضة 3/ 148.
(4) انظر المستصفى 1/ 223، والإحكام للآمدي 4/ 136، وشرح مختصر الروضة 3/ 155 - 156، وحاشية العطار على شرح الجلال المحلي 2/ 391.
(5) انظر تقويم الأدلة 400 - 401، والمسودة 489، وأصول السرخسي 2/ 225، والإبهاج 3/ 183، وكشف الأسرار 3/ 662.