فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 81

حدوث أمر فحينئذٍ ينسب إلي أقرب الأوقات إلى الحال، ما لم تثبت نسبته إلى زمن بعيد، وهذا الحكم في حالة ما إذا كان الحدوث متفقًا عليه وإنما وقع الاختلاف في تاريخ حدوثه [1] ، والاستصحاب المقلوب إنما يصار إليه في حال الخلاف في كون الأمر حادثًا أو قديمًا، وهو بهذه الصورة لا ينافي تلك القاعدة.

عطفًا على ما تقدم من ترجيح الرأي القاضي بأن الخلاف في حكم استصحاب الحال عمومًا خلاف لفظي: يمكن القول بأن الرأي المختار في الاستصحاب المقلوب: أنه حجة يجوز للمجتهد أن يتمسك بها ويستند إليها متى ما بذل وسعه واستفرغ جهده ولم يظفر بدليل يفيد تغير الوضع.

قال الزركشي (ت 794 هـ) :"وإنما تضعف هذه الطريقة [يعني التمسك بالاستصحاب المقلوب] إذا ظهر لنا تغير الوضع، فأما إذا استوى الأمران فلا باس" [2] .

وأهم الأسباب التي دعتني إلى اختيار هذا القول ما يلي:

1 -أن الاستصحاب المقلوب نوع من أنواع استصحاب الحال، وقد تقدم بيان صحة الاحتجاج بالاستصحاب عمومًا.

2 -قوة حجة القائلين بصحة التمسك به، وسلامتها من المناقشة.

3 -أن النبي صلى الله عليه وسلم همّ أن يهدم الكعبة ويعيد بناءها على قواعد إبراهيم، ولم يمنعه من ذلك إلا خشية الفتنة لكون الناس حديثي عهد بكفر [3] ، وكان الناس حينها متمسكين بالاستصحاب المقلوب، وصورته: أن بناء الكعبة الموجود في زمنهم هو الذي كان موجودًا بصفته في زمن إبراهيم عليه السلام، ولو لم يخبر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة بأنه ليس كذلك، لكان هذا هو الظن الغالب عند

(1) انظر شرح القواعد الفقهية للزرقا 125 - 126.

(2) البحر المحيط 4/ 335.

(3) أخرجه البخاري في صحيحه من حديث عائشة في مواضع عدة منها: كتاب التفسير، باب قوله تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ) 8/ 19، ورقمه 4484، وأخرجه كذلك مسلم في صحيحه من حديثها أيضًا، كتاب الحج، باب نقض الكعبة وبنائها 2/ 969، ورقمه 1333، وأخرجه كذلك الإمام أحمد في مسنده، وابن حبان، والترمذي، والنسائي، والطبراني، وغيرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت