فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 81

وفي حديث آخر: أنه دفع إلى عروة البارقي دينارًا ليشتري أضحية، فاشترى بالدينار شاتين، ثم باع إحداهما بدينار، وجاء بالأخرى مع الدينار، فجوز النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، ودعا له بالخير [1] .

وجه الاستدلال بهذا الحديث:

أن هذا العقد كان موقوفًا على إجازته صلى الله عليه وسلم، فلما أجازه نفذ، ونفوذه بالإجازة فيه استصحاب مقلوب، وذلك لأنه يقتضي سريان النفوذ من الحاضر -وهو وقت الإجازة- إلى الماضي -وهو وقت إنشاء العقد- [2] ، ولا يمكن أن يقال إن العقد الأول كان باطلا، وأن الإجازة عقد جديد، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره بالاسترداد، وعدم أمره له بذلك يدل على أن العقد كان صحيحًا، ولكنه موقوف.

قال السرخسي (ت 490 هـ) :"ولو لم يكن البيع موقوفًا على إجازته لأمره بالاسترداد، والمعنى فيه أن هذا تصرف صدر من أهله في محله فلا يلغو، كما لو حصل من المالك، وكالوصية بالمال ممن عليه دين، وبأكثر من الثلث ممن لا دين عليه "

وإذا صدر من أهله في محله تحقق به وجوده، ثم قد يمتنع نفوذه شرعًا لمانع، فيتوقف على زوال ذلك المانع، وبالإجازة يزول المانع، وهو عدم رضا المالك به" [3] ."

القول الثاني: أنه ليس بحجة.

وهو مذهب أكثر القائلين بعدم حجية استصحاب الحال، تخريجًا على أصلهم، على اعتبار أن الاستصحاب المقلوب نوع من أنواعه.

أدلة هذا القول:

يمكن أن يستدل لهذا القول بالأدلة المتقدمة التي تمسك بها المنكرون لحجية الاستصحاب عمومًا، وقد تقدم بيانها، وبيان ما ورد عليها من مناقشات، فلا حاجة إلى التكرار.

(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، الباب الثامن والعشرون، 8/ 549، ورقمه 3642، ثم ذكر أن الحسن بن عمارة كان يقول سمعه شبيب من عروة، فلما سأله سفيان قال لم أسمعه منه، سمعت الحي يخبرون عنه، وأخرجه كذلك أبو داود في سننه، كتاب البيوع، باب في المضارب يخالف 3/ 256، ورقمه 3384، والترمذي في سننه كتاب البيوع 3/ 559، ورقمه 1258، والإمام أحمد في مسنده 5/ 375، وابن ماجه في سننه 3/ 803، وهذا الحديث ضعفه عدد من أهل العلم، منهم ابن القطان، والخطابي، فقد نقل عنهما الزيلعي أن رواية البخاري للحديث لا تعني أنه على شرطه، فهو لم يكن يقصد هذا الجزء، وإنما قصد قوله صلى الله عليه وسلم:"الخيل معقود بنواصيها الخير"، بدليل أنه روى حديث الخيل بعد ذلك عن عدد من الصحابة، فدل على أن هذا اللفظ هو الذي على شرطه، وأن قصة عروة ساقها عرضًا وليس قصدًا، ولو كان هذا الحديث على شرطه لذكره في كتاب البيوع أو كتاب الوكالة، فهو في حاصل الأمر كالأحاديث المعلقة والمرسلة والمنقطعة التي يوردها البخاري. انظر نصب الراية 4/ 90 - 91.

وقد أنكر ابن حجر في الفتح وصفه بالانقطاع، وإن سلم بأن في إسناده مبهم، وذكر أن له متابع عند أحمد وأبي داود والترمذي وابن ماجه من طريق آخر، وله كذلك شاهد من طريق حكيم بن حزام، وتعقب قول ابن القطان بأنه ليس على شرط البخاري فذكر أنه ليس هنالك ما يمنع تخريجه ولا ما يحط عن شرطه، لأن الحي يمتنع في العادة تواطؤهم على الكذب، ولأن للحديث شاهدًا آخر، انظر فتح الباري 8/ 552 - 555، كما صحح هذا الحديث جمع من أهل العلم منهم: النووي، والمنذري، وابن الملقن. انظر تحفة الأحوذي 4/ 393، وخلاصة البدر المنير 2/ 51.

(2) تقدم فيما مضى أن بعض الشافعية يسمي هذا النوع بالانعطاف، ويعرفه بأنه:"السريان من المستقبل للماضي". انظر حاشية البجيرمي 4/ 390.

(3) المبسوط 13/ 154.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت