وقد مثل ابن السبكي (ت 771 هـ) لذلك بما إذا رأيت زيدًا جالسًا في مكان وشككت هل كان جالسًا فيه أمس فيقضى بأنه كان جالسًا فيه أمس استصحابا مقلوبًا، ثم قال:"وذلك لأنه لا طريق له إلا قولك لو لم يكن جالسًا أمس لكان الاستصحاب يقضي بأنه غير جالس الآن، لكنه جالس الآن، فدل على أنه كان جالسًا أمس" [1] .
وقد أورد الزركشي (ت 794 هـ) هذه الحجة بصيغة أخرى فقال:"إذا ثبت استعمال اللفظ في هذا المدعى فندعي بأنه كان مستعملًا قبل ذلك، لأنه لو كان الوضع غيره فيما سبق لزم أن يكون قد تغير إلى هذا الوضع، والأصل عدم تغيره" [2] .
وقد اعترض بعض العلماء على هذه الحجة بنقده لها في مجال تطبيقها في بعض جزئياتها وذلك بإثبات أن شرط الاستصحاب غير متحقق في الفرع الذي أدعي بناء الحكم فيه على الاستصحاب المقلوب -كمسألة المكيال التي ستأتي- فإن شرط الاستصحاب فقدان ما يصلح للتغيير، وهو هنا موجود، وهو وجود المكيال الشاهد في الحال [3] .
ويمكن أن يجاب عن هذا الاعتراض بالقول: إنه -أي الاعتراض- مبني على وجود المغير، والحجة في أساسها تفترض عدم وجود المغير، ولا يسلم أن الموجود حاليًا مغير لما مضى بل ندعي أنه هو الماضي نفسه [4] .
ولو سلم أن هذا الاعتراض صحيح وأنه مبطل للمثال فلا يعني ذلك إبطال أصل الحكم، لأنه ليس الفرع الوحيد الذي بني عليه هذا الأصل، بل هنالك فروع كثيرة ومتعددة سيأتي بيانها، وإذا أمكن الخصم الاعتراض على أحدها فلا يمكنه الاعتراض على الجميع.
3 -أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع إلى حكيم بن حزام دينارًا وأمره أن يشتري به أضحية، فاشترى بالدينار شاة، ثم باعها بدينارين، ثم اشترى شاة بدينار، وجاء بالشاة والدينار إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره بذلك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: بارك الله لك في صفقتك [5] .
(1) الإبهاج 3/ 183.
(2) انظر البحر المحيط 4/ 335.
(3) انظر حاشية البناني على شرح الجلال المحلي لجمع الجوامع 2/ 350 - 351.
(4) انظر قاعدة اليقين لا يزول بالشك 185 - 186.
(5) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب البيوع 3/ 558، ورقمه 1257، وأبو داود في سننه، كتاب البيوع، باب في المضارب يخالف 3/ 256، ورقمه 3386، وابن أبي شيبة في مصنفه 7/ 303، ورقمه 36294، قال الترمذي:"حديث حكيم بن حزام لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وحبيب بن أبي ثابت لم يسمع عندي من حكيم بن حزام". انظر سنن الترمذي 3/ 558. وقد أنكره ابن حزم ورد الاحتجاج به. انظر المحلي 8/ 437، وضعفه جمع من أهل العلم. انظر نصب الراية 4/ 9، والدراري المضيئة 1/ 398، غير أن في الباب حديثًا آخر يشهد له وهو حديث عروة البارقي الذي سيأتي تخريجه.