فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 81

راجح عليه، كالبراءة الأصلية، فإن شمولها لا يمنع التمسك بها حتى يوجد رافعها [1] .

القول الثالث:

أنه حجة على المجتهد فيما بينه وبين الله تعالى.

وهو اختيار القاضي أبي بكر الباقلاني (ت 403 هـ) في كتابه التقريب والإرشاد [2] ، ورجحه الجويني (ت 478 هـ) في كتابه التلخيص [3] .

حجة أصحاب هذا القول:

أن المجتهد إذا عنت له حادثة ولم تقم عنده دلالة مقتضية للوجوب بعد بذله جهده واستفراغه وسعه فله الأخذ بنفي الوجوب في حقه، لأنه لم يكلف إلا أقصى الطلب الداخل في مقدوره بحكم العادة، فإذا فعل ذلك ولم يجد الحكم كان له الأخذ بنفي الوجوب.

وأما إذا انتصب مسؤولًا ومفتيًا، وأراد نصب دلالة يناظر عليها، فلا يستقيم له التمسك بذلك، فإن المجتهدين إذا تناظرا وتذكرا طرق الاجتهاد فلا يغني المجيب منهما أن يقول: لا دليل على الوجوب، لأن هذه مجرد دعوى تحتاج إلى دليل، فلا تسقط عنه عهدة المطالبة بالدلالة [4] .

قال ابن السبكي (ت 771 هـ) -بعد ذكره لهذه الحجة-:"وهذا التفصيل عندنا حق متقبل" [5] .

ويمكن أن تناقش هذه الحجة بالقول:

إنه لا يظهر كبير فرق بين الحالتين، فإن ما يسع المجتهد أن يحتج به فيما بينه وبين الله يسعه أن يحتج به على خصمه، ولا يسلم أن تمسكه بعدم الدليل المغير لا يعد دليلًا، وإنما غاية ما يمكن أن يقال في ذلك أنه مطالبة للخصم بالدليل، وطالما أن الخصم لم يأت بدليل مغير فيكون التمسك بالأصل واستصحابه حجة صالحة للمستدل عليه.

(1) انظر المصدر السابق 447.

(2) انظر التلخيص 3/ 130، والإبهاج 3/ 183، والبحر المحيط 4/ 328.

(3) انظر التلخيص 3/ 130.

(4) المصدر السابق 3/ 130، والإبهاج 3/ 183، والبحر المحيط 4/ 328، وإرشاد الفحول 238.

(5) الإبهاج 3/ 183.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت