فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 81

الأحكام في مواضع كثيرة لم يثبتها فيه جمهور الفقهاء الذين أثبتوا القياس، فكل موضع فيه قياس أخذ به الجمهور، قد أخذ الظاهرية في موضعه بالاستصحاب، والشافعي الذي لم يأخذ بالاستحسان كان أكثر أخذًا بالاستصحاب من الحنفية والمالكية، وكل موضع كان للعرف أو للاستحسان فيه حكم كان محله عند الشافعي الاستصحاب، ومن أجل هذا كان أقل الفقهاء أخذًا بالاستصحاب المالكية، لكونهم قد وسعوا نطاق الاستدلال حتى لم يبقوا للاستصحاب إلا دائرة ضيقة، ومثلهم الحنفية لكونهم قد وسعوا دائرة العمل بالقياس [1] .

ولا يقلل من شأن الاستصحاب أن غايته مطالبة الخصم بالدليل، وأن المستدل به متمسك بعدم الدليل، وذلك لأن عدم الدليل دليل على المختار [2] .

منشأ الخلاف في المسألة:

-أشار الكمال ابن الهمام (ت 861 هـ) إلى سبب الخلاف في هذه المسألة، فقال:"واعلم أن مدار الخلاف على أن سبق الوجود مع عدم ظن الانتفاء هل هو دليل البقاء، فقالوا [يعني القائلين بالحجية] : نعم فليس الحكم به بلا دليل، والحنفية: لا إذا لابد في الدليل من جهة يستلزم بها، وهي منتفية فتفرعت الخلافيات" [3] .

ويظهر لي أن هذا لا يصلح أن يكون منشأَ للخلاف، وذلك لأنه عين محل النزاع، ومنشأَ الخلاف لابد أن يكون أصلًا تتفرع عنه المسألة المختلف فيها.

-وذهب أبو منصور البغدادي (ت 429 هـ) - وهو ممن يرى أن الخلاف فيها حقيقي- إلى أن هذه المسألة مبنية على الخلاف في حكم الأشياء قبل ورود الشرع، فمن زعم أنها مباحة استصحب الحال في كل ما رآه مباحًا فلا يحظره إلا بدليل، ومن زعم أنها محرمة لم يستصحب شيئًا [4] .

ووافقه شيخ الإسلام ابن تيميه (ت 728 هـ) في ذلك، حين أشار إلى أن الخلاف في

(1) انظر أصول الفقه لمحمد أبي زهرة 304.

(2) المسودة 488.

(3) التحرير 522 - 523، وانظر كذلك التقرير والتحبير 3/ 386.

(4) انظر البحر المحيط 4/ 334.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت