ولمّا حضرت قيسًا الوفاة فسأله بعض ذويه عن داره التي بمصر فقال: وأي دار لي بمصر إنما تلك بنيتها من مال المسلمين لا حق لي فيها اذ استعنت فيها بالمسلمين فهي لهم ينزلها ولاتهم. [1]
وليس دليلًا على حب صحابة الإمام علي - عليه السلام - للقيام بالعمل الاجتماعي او الاشتراك به ومساعدة كل ذي حاجة خيرًا من توجه ثلة منهم (فيهم عمار ياسر ومالك الاشتر وحذيفة بن اليمان) لمساعدة صبية تندب أباها عجزت عن مورارته الثرى وقد شاءت الصدفة ألا أن يكون ذلك المتوفى أخاهم وصاحبهم ورفيق دربهم ابا ذر الغفاري (رضوان الله عنه) اذ إن أبا ذر لما نفي إلى بادية الربذة حضرته الوفاة فيها وكان الرسول الكريم قد تنبأ له بالموت وحيدًا بعيدًا عن المسلمين وتنبأ له أن من يدفنه جماعة من المسلمين الصالحين من عابري السبيل، فكان مؤمنًا بذلك لا يداخله إليه شك، فلما أحس بالموت قال لابنته: أترين أحدا، فقالت له: كلا، فقال: كلا انه سيحضرني نفر مؤمنون، فقالت: إني وحدي في هذا الموضع وأخاف أن تغلبني عليك السباع وجزعت جزعًا شديدًا، وإذا بركب مقبلين فأخبرت أبيها، فقال: الله اكبر صدق رسول الله حولّي وجهي إلى القبلة فإذا وصل القوم أقرئيهم مني السلام، فإذا فرغوا من أمري فاذبحي لهم هذه الشاة وقولي لهم أقسمت عليكم أن برحتم حتى تأكلوا ثم مات فوصلها القوم ووجدوا لديها جنازة على قارعة الطريق فشمروا أيديهم لمساعدتها وإذا بها تقرئهم السلام من أبيها قبل أن يروه وتخبرهم بأنه أبا ذر الغفاري صاحبهم وهي بهم غير عالمة فاخذوا بالبكاء ثم غسلوه وكفنوه وصلوا عليه ودفنوه ثم حملوا ابنته معهم إلى المدينة. [2]
(1) ابن عبد الحكم المصري، عبد الرحمن بن عبد الله (ت257هـ/ 870 م) فتوح مصر وأخبارها، تحقيق محمد الخجري، بيروت - دار الفكر (ط1 - 1996) : 189 - 191.
(2) ينظر اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي:2/ 173؛ الطبري، تاريخ الرسل: 4/ 308؛ ابن الأثير، الكامل: 2/ 264؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء:2/ 77.