وغلغلوا رقابهم، والحمد لله على ذلك [1] .
وهكذا جرح الشهود وتعديلهم، فإنه لو لم يقع ذلك لأُريقت الدماء وهُتكت الحرم، واستبيحت الأموال بشهادات الزور، التي جعلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أكبر الكبائر، وحذر منها.
والحاصل: أن كليات الشريعة وجزئياتها وقواعدها وإجماع أهلها، تدل أوضح دلالة على أن هذا القسم لا شك ولا ريب في جوازه، بل في وجوب بعض صوره؛ صونًا للشريعة، وذبًا عنها، ودفعًا لما ليس منها، وحفظًا لدماء العباد وأموالهم وأعراضهم. وهذا كله هو داخل في الضرورات الخمس المذكورة في علم الأصول [2] ، ومما يدل على ذلك دلالة بينة ما ورد في النصيحة لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم وخاصتهم؛ فإن بيان كذب الكذابين من أعظم النصيحة الواجبة لله ولرسوله، ولجميع المسلمين. وأدلة وجوب النصيحة متواترة، وكذلك جرح [3] من شهد في مال أو دم أو عرض بشهادة زور [4] ؛ فإنه من
(1) قال الإمام الحافظ ابن الصلاح في «علوم الحديث» (ص 389 - 390) : «الكلام في الرجال جرحا وتعديلا جوز؛ صونا للشريعة ونفيا للخطأ والكذب عنها، وكما جاز الجرح في الشهود جاز في الرواة» .
(2) انظر «إرشاد الفحول» (ص 790 - 791) تقدم ذكرها مفصلة. [حفظ الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال] .
(3) انظر «المغني» (14/ 123، 178) .
(4) والتي هي من أكبر الكبائر، قال - صلى الله عليه وسلم: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟» قلنا: بلى يا رسول الله، قال: «الإشراك بالله وعقوق الوالدين، وكان متكئا فجلس، فقال: ألا وقول الزور!» فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت.