وإنني أفتتح هذا البحث بما قاله الإمام ابن قتيبة - رحمه الله - في كتابه الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة عن سبب تأليفه للكتاب:
ولما رأيت إعراض أهل النظر عن الكلام في هذا الشأن منذ وقع، وتركهم تلقيه بالدواء حين بدا، وبكشف القناع عنه حين نجم، إلى أن استحكم أساسه، وبسق رأسه، وجرى على اعتياد الخطأ فيه الكهل، ونشأ عليه الطفل وعسر على المداوين أن يخرجوا من القلوب ما قد استحكم بالألف ونبت على شراه [1] اللحم، لم أر لنفسي عذرًا في ترك ما أوجبه الله علي بما وهب من فضل المعرفة في أمر استفحل بأن قصر مقصر فتكلفت بمبلغ علمي ومقدار طاقتي ما رجوت أن يقضي بعض الحق عني لعل الله ينفع به فإنه بما شاء نفع، وليس على من أراد الله بقوله أن يسأله الناس بل عليه التبصير وعلى الله التيسير.
* وسيوافق قولي هذا من الناس ثلاثة:
1 -رجلًا منقادًا سمع قومًا يقولون فقال كما قالوا فهو لا يرعوي ولا يرجع لأنه لم يعتقد الأمر بنظر فيرجع عنه بنظر.
2 -ورجلًا تطمح به عزة الرياسة وطاعة الإخوان وحب الشهرة فليس
(1) الشري: بثر بين الجلد واللحم كما في مبادئ اللغة للاسكافي والفعل من باب جرب. يفيد بذلك أن هذا الداء أصبح بعيد الغور صعب الاستئصال.