(تَنْبِيهٌ) قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ - والكلام موصولًا للقرافي-: اُسْتُثْنِيَ مِنْ الغِيبَةِ سِتُّ صُوَرٍ:
(الأُولَى) : النَّصِيحَةُ «لِقَوْلِهِ - عليه الصلاة والسلام - لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ حِينَ شَاوَرَتْهُ - عليه الصلاة والسلام - لَمَّا خَطَبَهَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَأَبُو جَهْمٍ: (أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَرَجُلٌ صُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ العَصَا عَنْ عَاتِقِهِ) [1] فَذَكَرَ عَيْبَيْنِ فِيهِمَا مَا يَكْرَهَانِهِ لَوْ سَمِعَاهُ وَأُبِيحَ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ النَّصِيحَةِ، وَيُشْتَرَطُ فِي هَذَا القِسْمِ:
أَنْ تَكُونَ الحَاجَةُ مَاسَّةً لِذَلِكَ وَأَنْ يَقْتَصِرَ النَّاصِحُ مِنْ العُيُوبِ عَلَى مَا يُخِلُّ بِتِلْكَ المَصْلَحَةِ خَاصَّةً الَّتِي حَصَلَتْ المُشَاوَرَةُ فِيهَا، أَوْ الَّتِي يَعْتَقِدُ النَّاصِحُ أَنَّ المَنْصُوحَ شَرَعَ فِيهَا أَوْ هُوَ عَلَى عَزْمِ ذَلِكَ فَيَنْصَحُهُ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَشِرْهُ فَإِنَّ حِفْظَ مَالِ الإِنْسَانِ وَعِرْضِهِ وَدَمِهِ عَلَيْك وَاجِبٌ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِضْ لَك بِذَلِكَ، فَالشَّرْطُ الأَوَّلُ احْتِرَازٌ مِنْ ذِكْرِ عُيُوبِ النَّاسِ مُطْلَقًا لِجَوَازِ أَنْ يَقَعَ بَيْنَهُمَا مِنْ المُخَالَطَةِ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ فَهَذَا حَرَامٌ بَلْ لَا يَجُوزُ إلَّا عِنْدَ مَسِيسِ الحَاجَةِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأُبِيحَتْ الغِيبَةُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الجَوَازَ قَائِمٌ فِي الكُلِّ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: احْتِرَازٌ مِنْ أَنْ يُسْتَشَارَ فِي أَمْرِ الزَّوَاجِ فَيَذْكُرَ العُيُوبَ المُخِلَّةَ بِمَصْلَحَةِ الزَّوَاجِ وَالعُيُوبَ المُخِلَّةَ بِالشَّرِكَةِ أَوْ المُسَاقَاةِ أَوْ يُسْتَشَارَ فِي السَّفَرِ مَعَهُ فَتُذْكَرَ العُيُوبُ المُخِلَّةُ بِمَصْلَحَةِ السَّفَرِ، وَالعُيُوبُ المُخِلَّةُ بِالزَّوَاجِ فَالزِّيَادَةُ عَلَى العُيُوبِ المُخِلَّةِ بِمَا اُسْتُشِرْت فِيهِ حَرَامٌ بَلْ تَقْتَصِرُ عَلَى عَيْنِ مَا
(1) أخرجه مسلم (1480/ 36) ، وأبو داود (2284) ، والنسائي (6/ 75) من حديث فاطمة بنت قيس وصححه ابن حبان (4290) .