فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 152

السَّقِيمِ.

وَمِثْلُ أَئِمَّةِ البِدَعِ مِنْ أَهْلِ المَقَالَاتِ المُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، أَوْ العِبَادَاتِ المُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ فَإِنَّ بَيَانَ حَالِهِمْ وَتَحْذِيرَ الأُمَّةِ مِنْهُمْ وَاجِبٌ بِاتِّفَاقِ المُسْلِمِينَ، حَتَّى قِيلَ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: الرَّجُلُ يَصُومُ وَيُصَلِّي وَيَعْتَكِفُ أَحَبُّ إلَيْك أَوْ يَتَكَلَّمُ فِي أَهْلِ البِدَعِ؟ فَقَالَ: إذَا قَامَ وَصَلَّى وَاعْتَكَفَ فَإِنَّمَا هُوَ لِنَفْسِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ فِي أَهْلِ البِدَعِ فَإِنَّمَا هُوَ لِلْمُسْلِمِينَ هَذَا أَفْضَلُ. فَبَيَّنَ أَنَّ نَفْعَ هَذَا عَامٌّ لِلْمُسْلِمِينَ فِي دِينِهِمْ مِنْ جِنْسِ الجِهَادِ فِي سَبِيلِ الله؛ إذْ تَطْهِيرُ سَبِيلِ الله وَدِينِهِ وَمِنْهَاجِهِ وَشِرْعَتِهِ وَدَفْعِ بَغْيِ هَؤُلَاءِ وَعُدْوَانِهِمْ عَلَى ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَى الكِفَايَةِ بِاتِّفَاقِ المُسْلِمِينَ.

وَلَوْلَا مَنْ يُقِيمُهُ الله لِدَفْعِ ضَرَرِ هَؤُلَاءِ لَفَسَدَ الدِّينُ، وَكَانَ فَسَادُهُ أَعْظَمَ مِنْ فَسَادِ اسْتِيلَاءِ العَدُوِّ مِنْ أَهْلِ الحَرْبِ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ إذَا اسْتَوْلَوْا، لَمْ يُفْسِدُوا القُلُوبَ وَمَا فِيهَا مِنْ الدِّينِ إلَّا تَبَعًا، وَأَمَّا أُولَئِكَ فَهُمْ يُفْسِدُونَ القُلُوبَ ابْتِدَاءً.

وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الله لَا يَنْظُرُ إلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ؛ وَإِنَّمَا يَنْظُرُ إلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» [1] ، وَذَلِكَ أَنَّ الله يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ} [الحديد: 25] فَأَخْبَرَ أَنَّهُ أَنْزَلَ الكِتَابَ وَالمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالقِسْطِ، وَأَنَّهُ أَنْزَلَ الحَدِيدَ، كَمَا ذَكَرَهُ. فَقِوَامُ الدِّينِ بِالكِتَابِ الهَادِي وَالسَّيْفِ النَّاصِرِ {وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} [الفرقان: 31] . وَالكِتَابُ هُوَ الأَصْلُ؛ وَلِهَذَا أَوَّلُ مَا بَعَثَ الله رَسُولَهُ أَنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتَابَ؛ وَمَكَثَ بِمَكَّةَ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالسَّيْفِ حَتَّى هَاجَرَ وَصَارَ لَهُ أَعْوَانٌ عَلَى الجِهَادِ.

(1) أخرجه مسلم في البر والصلة (2564/ 43،33) وابن ماجه في الزهد (4143) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت