فهرس الكتاب
والثاني: - وهو الأصح - أن معناه أن الهجرة الفاضلة المهمّة المطلوبة التي يمتاز بها أهلها امتيازا ظاهرا انقطعت بفتح مكة، ومَضَتْ لأهلها الذين هاجروا قبل فتح مكة، لأن الإسلام قوي وعَزّ بعد فتح مكة عزا ظاهرا، بخلاف ما قبله. اهـ.
ويَعضد القول الثاني ما جاء في حديث مُجاشع بن مسعود رضي الله عنه، وفيه: ذَهَبَ أهل الهجرة بما فيها.
2= قوله:"وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ"
وهذا موافِق لِقوله عليه الصلاة والسلام لمجاشع بن مسعود رضي الله عنه.
روى البخاري من حديث مجاشع رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أنا وأخي، فقلت: بَايِعْنَا على الهجرة. فقال: مَضَتِ الهجرة لأهلها. فقلت: عَلامَ تُبَايِعُنا؟ قال: على الإسلام والجهاد. رواه البخاري.
قال النووي:"ولكن جهاد ونية"معناه أن تحصيل الخير بسبب الهجرة قد انقطع بفتح مكة، ولكن حَصِّلُوه بالجهاد والنية الصالحة. وفى هذا الحثّ على نِيّة الخير مُطلقا، وأنه يثاب على النِّيَّة.
3= قوله صلى الله عليه وسلم:"وَإِذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا"معناه: إذا طلبكم الإمام للخروج إلى الجهاد فاخرجوا. وهذا دليل على أن الجهاد ليس فرض عين، بل فرض كفاية إذا فعله من تحصل بهم الكفاية سَقَطَ الْحَرَج عن الباقين، وإن تركوه كلهم أثِمُوا كلهم. قال أصحابنا: الجهاد اليوم فرض كفاية، إلا أن يَنْزِل الكفار بِبَلَد المسلمين، فَيَتَعَيّن عليهم الجهاد، فإن لم يكن في أهل ذلك البلد كفاية وَجَبَ على من يليهم تَتْمِيم الكفاية. قاله النووي.
4= في حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: قال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ.
وفي حديث أبي شُريحٍ السابق"الْغَد مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ".
فهل كانت خطبته صلى الله عليه وسلم في يوم الفتح أو في اليوم الثاني؟
لا تَعارُض بين الحديثين، لأن فَتح مكة يُسمّى به اليوم الذي دَخَل فيه النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة، وتُسمّى به تلك الأيام التي أقامها النبي صلى الله عليه وسلم في مكة بعد الفتح، ويُسمّى به العام، ومنه حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دَخَل عام الفتح وعلى رأسه المغفر. رواه البخاري ومسلم. وسيأتي شرحه.
فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يَخطُب أول يود دَخَل مكة، وإنما خَطَب في اليوم الثاني من دخوله، فأبو شُريح رضي الله عنه