فهرس الكتاب

الصفحة 586 من 670

ويكون إبراهيم عليه السلام هو أول من أُوحِي إليه تحريم البيت، أي بعد بنائه للبيت.

فتكون نسبة التحريم إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام.

وأصل التحريم من الله تبارك وتعالى.

فإن من المعلوم بداهة أن التحليل والتحريم تشريع، وهو من الله ابتداءً.

ويُقال مثل ذلك في اللعن.

فإن في بعض الأحاديث لعن الله، وفي بعضها لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد يكون في الشيء الواحد، كما في حديث ابن مسعود - المتّفقِ عليه -، وفي أوله قال: لَعَنَ الله الواشمات، والموتشمات، والمتنمصات، والمتفلِّجات للحُسن، المغيرات خلق الله. فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب، فجاءت فقالت: إنه بلغني أنك لَعَنْتَ كَيْتَ وكَيْت؟ فقال: ومالي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ الحديث.

فالشاهد من ذلك أن ابن مسعود رضي الله عنه نَسَب اللعن ابتداء إلى الله، ثم لما رُوجِع قال: ومالي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

فابتداء التشريع من الله، وقد يُنسب إلى مَن جاء به.

أو يُنسب إلى أول من عمِل به.

كما يُقال: فعل الأمير كذا.

وقد لا يكون للأمير إلا إصدار الأمر.

وهذا جائز في اللغة، ولذا جاءت اللغة العربية بالتوكيد والمؤكِّدات.

فإذا قلت: جاء الأمير فيُحتمل أنك تريد رسوله أو أمره أو بعض حاشيته، ونحو ذلك.

لكنك عندما تقول: جاء الأمير بنفسه، فقد أكّدت قولك بأنك لا تعني سواه.

فعلى هذا لا يكون هناك إشكال في إضافة تحريم مكة إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأنه أول من جاء به وعمِل به.

ولا إشكال في إضافته لله لأن الله تبارك وتعالى هو الذي أمَرَ به وشَرَعه.

كما تقول: ناقة الله، وتقول: ناقة قوم صالح.

قال ابن عطية في تفسيره: ولا تعارُض بين الحديثين، لأن الأول إخبار بسابِق علم الله فيها وقضائه وكون الْحُرْمَة مُدة آدم وأوقات عمارة القُطر بإيمان.

والثاني إخبار بتجديد إبراهيم لحرمتها وإظهاره ذلك بعد الدثور.

وكل مقال من هذين الإخْبَارَين حسن في مقامه. عَظَّم الحرمة ثاني يوم الفتح على المؤمنين بإسناد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت