فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 50

أما مثال جمعه بين الروايات الواردة في سبب نزول بعض الآيات التي يوهم ظاهرها التعارض: قوله عند تفسيره لقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة: 207] :"وقد أخرج الحارث بن أبي أسامة في (مسنده) ، وابن أبي حاتم ورزين عن سعيد بن المسيّب قال: أقبل صهيب مهاجرا إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فاتبعه نفر من قريش، فنزل عن راحلته، وانتثل ما في كنانته ثم قال: يا معشر قريش! لقد علمتم أني من أرماكم رجلا، وأيم الله! لا تصلون إليّ حتى أرمي كلّ سهم معي في كنانتي، ثمّ أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم. وإن شئتم دللتكم على مالي بمكة وخليتم سبيلي؟ قالوا: نعم! فلما قدم على النبيّ - صلى الله عليه وسلم - المدينة قال: ربح البيع. أبا يحيى! ربح، أبا يحيى .. ! ونزلت {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ... } الآية."

وأخرج الحاكم في (المستدرك) نحوه من طريق ابن المسيب عن صهيب موصولا. وأخرجه أيضا من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت عن أنس. وفيه التصريح بنزول الآية، وقال صحيح على شرط مسلم وروي أنها نزلت في صهيب وغيره. كما روي في نزول الأولى روايات ساقها بعض المفسّرين" (1) ."

ثم قال القاسمي - رحمه الله تعقيبا على ما ذكر آنفا:"ولا تنافي في ذلك، لأنّ قولهم نزلت في كذا، تارة يراد به أنّ حالا مّا كان سببا لنزولها، بمعنى أنها ما نزلت إلّا لأجله! وهذا يعلم إمّا من إشعار الآية بذلك، أو من رواية صحّ سندها صحّة لا مطعن فيه. وتارة يراد به أنها نزلت بعد وقوع شأن ما تشمله بعمومها. فيقول الراوي عقيب حدوث ذلك الشأن: نزلت في كذا، والمراد أنها تصدق عليه لا أنّ ذلك الشأن كان سببا للنزول ... وما روي في هذه الآية من هذا القبيل" (1) .

ثم نقل بعد ذلك كلاما عن الزركشي يفيد ما قرره آنفا (1) .

ونجد القاسمي - رحمه الله أحيانا يتوسع كثيرا في الحديث عن الروايات الكثيرة الواردة في سبب نزول بعض الآيات، ويبين طرق هذه الروايات، ومن رويت عنهم.

ومن الأمثلة الواضحة على ذلك توسعه في استعراض الروايات الواردة في سبب نزول قوله تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 223] (2) .

(1) محاسن التأويل 3/ 512.

(2) محاسن التأويل 3/ 563.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت