منهج القاسمي
في تفسيره"محاسن التأويل"
الحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، القائل جلّ ذِكْرُه في محكم تنزيله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] ، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وقائدنا وقدوتنا وإمامنا محمدا رسول الله الذي أنزل الله عليه {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44] ، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن جهود العلماء في إيضاح ما غَمض معناه، وعَسُر فهمه من كتاب الله تعالى كثيرة متوافرة، فقد هيّأ الله - تعالى ذكرُه - لكتابه علماء أثباتا أفذاذا، وقفوا على شاطئه يلتمسون الدرر المضيئة، فأكرمهم الله تعالى ذكره - الذي يؤتي الحكمة من يشاء، والقائل: {وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ} [البقرة: 282] - بمعارف جمّة، ومعانٍ عظيمة، وفيوضات ربانية، وفتوحات إلهية، جلّوا بها آيات الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ووقفوا على بعض معانيها.
والعلماء الذين تصدوا لتفسير آيات الله تعالى اختلقت مشاربهم ونظراتهم إلى هذا الكتاب الكريم، فمنهم من تناوله من حيث ما ورد في تفسير عن النبي، وهم أهل التفسير بالمأثور، ومنهم من تناوله من حيث بلاغته وفصاحته التي لا يطمع البشر في مداناتها والاقتراب من قمّتها السامقة، ومنهم من تناوله من حيث أحكامه الشرعية الفقهية، إلى غير ذلك.
فشكلت كتاباتهم وتفاسيرهم مجتمعة ثروة علمية كبيرة تدلّ على مدى اعتناء هذه الأمة بكتاب ربها، واهتمامها ببيان ما فيه من المعاني واللطائف والنكات.
وكان ممن تصدى لتفسير القرآن الكريم في العصر الحديث الشيخ جمال الدين القاسمي - رحمه الله تعالى -، فقد قام في عصر بَعُدَ فيه المسلمون عن دينهم وعن كتاب ربهم، وتمسكوا بمبادئ وأفكار بعيدة كل البعد، بل لا تُمِتّ إلى الإسلام الحنيف بِصِلَة ليدعو الناس إلى العودة إلى المعين الصافي الذي انتهل منه الصحابة الكرام - رضوان الله عليهم - وسلف الأمة، فأصبحوا بذلك أعزاء كرماء، يُنْظَر إليهم بإكبار وإجلال.