المطلب الأول: منهج القاسمي في ذكر المناسبات بين الآيات
يلاحظ حرص القاسمي - رحمه الله تعالى - على بيان وجه المناسبات بين الآيات، فهو يبيّن وجه مناسبة الآية لما قبلها، ولما بعدها، وقد يعتمد في بيان ذلك النَّقْلَ عن البقاعي - رحمه الله - وغيره، أو يبيّن ذلك ابتداءً من عنده.
فتراه مثلا عند تفسيره لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ} [البقرة: 6] يقول:"لَمَّا بَيَّنَ تعالى نعوتَ المؤمنين قَبْلُ، شرح أحوال مقابِلِهم، وهم الكفرة المردة ..." (1) .
ويقول - رحمه الله تعالى - عند تفسيره لقوله تعالى: {اَلَّذِيْ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا} [البقرة: 22] :"ولَمَّا احتج عليهم بما يثبت الوحدانية ويحققها، ويبطل الشرك ويهدمه، وعلم الطريق إلى إثبات ذلك وتصحيحه، وعرفهم أن من أشرك فقد كابر عقله، وغطّى على ما أنعم عليه من معرفته وتمييزه، عطف على ذلك ما هو الحجة على إثبات محمد ..." (2) .
ويقول عند تفسيره لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا كُلُوْا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172] :"وَلَمَّا قيد تعالى الإذن لهم بالطيب من الرزق، وافتقر الأمر إلى بيان الخبيث منه ليجتنب، فبيّن صريحا ما حرم عليهم .." (3) .
وأما نقله عن البقاعي - رحمه الله - فمثاله قوله عند تفسير قوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ} [البقرة: 210] :"وقال البقاعي أيضا:"ولما كان بنو إسرائيل أعلم الناس بظهور مجد الله في الغمام لما رأى أسلافهم منه عند خروجهم من مصر وفي جبل الطور وقبة الزمان وما في ذلك على ما نقل إليهم من وفور الهيبة وتعاظم الجلال قال تعالى: جوابًا لمن كأنه قال: كيف يكون هذا؟ (4) {سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ} [البقرة: 211] .
ونقله عن البقاعي كذلك عند تفسيره لقوله تعالى: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 62] حيث قال:"قال البقاعي:"ولما بدأ سبحانه وتعالى القصة أول السورة بالإخبار بوحدانيته مستدلًا على ذلك بأنه الحي القيوم صريحًا ختمها بمثل ذلك إشارة وتلويحًا فقال - عاطفًا على ما أنتجه ما تقدم من أن عيسى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عبد الله ورسوله معممًا للحكم معرقًا بزيادة الجار في النفي: {وَمَا مِنْ إِلَهٍ} فصرح فيه ب مِنْ الاستغراقية، تأكيدا للرد على النصارى
(1) محاسن التأويل 2/ 39.
(2) محاسن التأويل 2/ 68.
(3) محاسن التأويل 3/ 378.
(4) محاسن التأويل 3/ 522.