ومن الأمثلة على ذلك قوله عند تفسيره لقوله تعالى {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} [البقرة: 18] :"الصمم: آفة مانعة من السماع، سمّى به فقدان حاسّة السمع، لما أنّ سببه اكتناز باطن الصّماخ، وانسداد منافذه، بحيث لا يكاد يدخله هواء يحصل الصوت بتموّجه. والبكم: الخرس. والعمى: عدم البصر عمّا من شأنه أن يبصر."
وصفوا بذلك - مع سلامة حواسّهم المذكورة - لما أنّهم سدّوا عن الإصاخة إلى الحقّ مسامعهم، وأبوا أن ينطقوا به ألسنتهم، وأن ينظروا ويتبصّروا بعيونهم، فجعلوا كأنما أصيب بآفة مشاعرهم - كقوله:
صمّ إذا سمعوا خيرا ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا
وكقوله:
أصمّ عن الشيء الذي لا أريده ... وأسمع خلق الله حين أريد" (1) ."
وقوله عند تفسيره لقوله تعالى: {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأنفال: 57] قال:"قال في (التاج) : وقيل: معنى فَشَرِّدْ بِهِمْ فسمّع بهم، وقيل: فزّع بهم، ولا يخفى أن هذه المعاني متقاربة. وأصل التشريد الطرد والتفريق."
ويقال. شرد به تشريدا، سمّع الناس بعيوبه. قال:
أطوّف بالأباطح كلّ يوم ... مخافة أن يشرّد بي حكيم
معناه أنّ يسمّع بي و (حكيم) رجل من بني سليم كانت قريش ولّته الأخذ على أيدي السفهاء" (2) ."
وقوله عند تفسيره لقوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} [البقرة: 55] :"ومما يدل على أنه قد يكون مصعوقا وهو حيّ غير ميت قول الله عز وجل {وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا} [الأعراف: 143] يعني مغشيا عليه. ومنه قول جرير:"
وهل كان الفرزدق غير قرد ... أصابته الصّواعق فاستدارا" (3) "
ومثال نقله عن الصحاح قوله عند تفسيره لقوله تعالى: {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا} [البقرة: 71] :"وفي الصحاح: الشية: كل لون يخالف معظم لون الفرس وغيره. والهاء عوض من الواو الذاهبة من أوله. والجمع:"
شيات. يقال: ثور أشيه، كما يقال: فرس أبلق" (4) ."
(1) محاسن التأويل 2/ 57.
(2) محاسن التأويل 8/ 3021.
(3) محاسن التأويل 2 /.
(4) محاسن التأويل 2/ 155.