ونظرا لأن الزمحشري امتاز عن غيره من المفسرين بإبداعه في هذا الجانب، وغوصه وراء المعاني الخفية المستترة في آيات الله تعالى الدالة على بلاغة هذا الكتاب الكريم، فإن القاسمي - رحمه الله تعالى - أكثر من النقل عنه وعن أبي السعود.
وقوله عند تفسيره لقوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ} [البقرة: 14] حيث قال:"واعلم أنّ مساق هذه الآية بخلاف ما سيقت له أوّل قصة المنافقين، فليس بتكرير. لأنّ تلك في بيان مذهبهم، والترجمة عن نفاقهم، وهذه لبيان تباين أحوالهم، وتناقض أقوالهم - في أثناء المعاملة والمخاطبة - حسب تباين المخاطبين!" (1) .
وكلام القاسمي هنا منسجم مع كلام شيخنا وأستاذنا الدكتور فضل عباس الذي يرى أنه إن كان السياق مختلفا، فلا تكرار، إذ شروط التكرار إعادة اللفظ نفسه في السياق نفسه.
وقوله عند تفسيره لقوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 35] :"وإنما علق النهي بالقربان منها، مبالغة في تحريم الأكل، ووجوب الاجتناب عنه، لأن القرب من الشيء مقتضى الألفة. والألفة داعية للمحبة. ومحبة الشيء تعمي وتصمّ. فلا يرى قبيحا، ولا يسمع نهيا، فيقع. والسبب الداعي إلى الشرّ منهيّ عنه. كما أن السبب الموصل إلى الخير مأمور به" (2) .
وقال عند تفسيره لقوله تعالى: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ} [البقرة: 38] :"إنما كرر الأمر بالهبوط للتأكد والإيذان بتحتم مقتضاه، وتحققه لا محالة. أو لاختلاف المقصود. فإن الأول دل على أن هبوطهم إلى دار بلية يتعادون فيها ولا يخلدون. والثاني أشعر بأنهم اهبطوا للتكليف. فمن اتبع الهدى نجا. ومن ضله هلك" (3) .
أما نقوله عن الزمحشري، فهي كثيرة كما أسلفت القول، مثالها نقله عن الزمحشري عند تفسيره لقوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى} [البقرة: 16] حيثد قال:"قال الزمخشريّ: فإن قيل: لم عطف بالواو عدم اهتدائهم على انتفاء ربح تجارتهم، ورتّبا معا بالفاء على اشتراء الضلالة بالهدى؟ وما وجه الجمع بينهما- مع ذلك الترتيب- على أن عدم الاهتداء قد فهم من استبدال الضلالة بالهدى، فيكون تكرارا لما مضى؟ قلتُ: ..." (4) .
والقاسمي - رحمه الله تعالى - يتعرض كذلك للمقارنة بين التعبيرات القرآنية في الآيات التي تتحدث عن موضوع واحد. من ذلك بيانه: لِمَ عبّر الله تعالى في سورة البقرة
(1) محاسن التأويل 2/ 50.
(2) محاسن التأويل 2/ 105 - 106.
(3) محاسن التأويل 2/ 111.
(4) محاسن التأويل 2/ 53.