مع جمع المعاني- بالغة إلى أعلى الدرجات .. ! وذلك لأنّ العرب عبّروا عن هذا المعنى بألفاظ كثيرة، كقولهم:
قتل البعض إحياء للجميع، وقول آخرين: أكثروا القتل ليقلّ القتل. وأجود الألفاظ المنقولة عنهم في هذا الباب قولهم القتل أنفى للقتل وقد كانوا مطبقين على استجادة معنى كلمتهم واسترشاق لفظها .. ! ومن المعلوم لكلّ ذي لبّ أنّ بينها وبين ما في القرآن كما بين الله وخلقه! وأنّى لها الوصول إلى رشاقة القرآن وعذوبته .. ! (1) .
ومع كل ما ذكره القاسمي - رحمه الله - من اللطائف والنكات إلا أنه ينقل عن بعض العلماء القول بزيادة بعض الأحرف في القرآن الكريم، والقول بتناوب بعض الحروف، ولم يعقب على ما ذكره بشيء، وليت الأمر وقف عند هذا الحد لا، بل تجده أحيانا يقول هو بزيادة بعض الحروف كقوله عند تفسيره لقوله تعالى: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 88] :"وقوله {فَقَلِيْلًا مَا يُؤْمِنُوْنَ} {مَا} مزيدة للمبالغة فإيمانا قليلا يؤمنون" (2) .
وقوله عند تفسيره لقوله تعالى: {فَأْتُوْا بِسُوْرَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} [البقرة: 23] "وقيل: {مِنْ} زائدة على ما هو رأي الأخفش، بدليل قوله تعالى: {فَأْتُوْا بِسُوْرَةِ مِثْلِهِ} [يونس: 38] ، {بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ} [هود: 13] (3) ."
ونقله عن الجوهري القول بزيادة {مَا} في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة: 26] (4) .
وأما بالنسبة للقول بالتناوب بين الحروف فنقل عن البغوي أن {بَعْدَ} تأتي بمعنى {مَعَ} كقوله تعالى: {عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيْمٍ} [القلم: 13] (5) .
وهذه النقول التي نقلها عن العلماء لم يعقب عليها بشيء.
ونجده يقول أيضا عند تفسيره لقوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3] : {مَا} في قوله تعالى: {مَا طَابَ لَكُمْ} موصولة، وجاء بـ {مَا} مكان {مَنْ} لأنهما قد يتعاقبان، فيقع كل واحد منهما مكان الآخر، كما في قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} [الشمس: 5] وقوله: {وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُوْنَ مَا أَعْبُدُ} [الكافرون: 3] ، وقوله {فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ} [النور: 45] . وقال بعضهم:"وحسن وقوعها هنا أنها واقعة على النساء وهن ناقصات عقل ودين" (6) .
(1) محاسن التأويل 3/ 403.
(2) محاسن التأويل 2/ 187.
(3) محاسن التأويل 2/ 72.
(4) محاسن التأويل 2/ 85.
(5) محاسن التأويل 2/ 91.
(6) محاسن التأويل 5/ 1106.