فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 50

تفسيره فسنجد ما يؤكد يصدق ما قرره في مقدمة تفسيره، فتراه يقرر مذهب السلف بشيء من الإيجاز عند تفسيره لقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143] حيث أوضح أن مذهب السلف وسط بين المذاهب الأخرى، وسط في إثبات الصفات بين المعطلة والمشبهة، ووسط في إثبات القدر بين القدرية والمرجئة، وهكذا فيما يتعلق بمذهب السلف في الاعتقاد (1) .

فتجده مثلا قد أفاض الحديث عن صفة الاستواء عند تفسيره لقوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54] فاحتلّ حديثه عن هذه الصفة من التفسير زهاء خمسين صفحة نقل فيها عن العلماء نقولات كثيرة، فنقل عن البخاري والذهبي من كتابه العلو، وعن الإمام أحمد من كتابه الرد على الجهمية، وعن عبد القادر الجيلاني من كتابيه تحفة المتقين والغنية، وعن أبي إسماعيل الأنصاري من كتابه ذم الكلام وأهله، وعن الكتاني من كتابه الرد على الجهمية، وعن ابن عرفة من كتابه الرد على الجهمية، وعن أبي الحسن الأشعري من كتاب الإبانة، وعن ابن عبد البر من كتاب التمهيد، وعن ابن تيمية من الرسالة المدنية، وعن ولي الله الدهلوي من كتابه حجة الله البالغة، وعن الألوسي من محاكمة الأحمدين، ثم عقب - رحمه الله تعالى - على هذه النقول الكثيرة بقوله:"وإنما أشبعنا الكلام، في هذا المقام، لأنه من أصول العقائد الدينية، ومهمات المسائل التوحيدية، وقد كثر فيه تعارك الآراء، وتصادم الأهواء، ولم يأت جمهور المتكلمين المؤولين بشيء يعلق بقلب الأذكياء، بل اجتهدوا في إيراد التمحلات التي تأباها فطرة الله أشد الإباء، فبقيت نفوس أنصار السنة المحققين، مائلة إلى مذهب السلف الصالحين، فإن الأئمة منهم، كان عقدهم ما بيناه فلا تكن من الممترين، والحمد لله رب العالمين" (2) .

وعند تفسيره لقوله تعالى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164] أثبت مذهب السلف في صفة الكلام، فقال بعد أن بيّن أن الله تعالى كلّم موسى بدون واسطة، وأن موسى - عليه السلام - سمع كلام الله بدون واسطة:"يحسن في هذا المقام إيراد عقيدة السلف الكرام في مسألة الكلام، فإنها من أعظم مسائل الدين، وقد تحيرت فيها آراء أهل الأهواء من المتقدمين والمتأخرين."

واضطربت فيها الأقوال، وكثرت بسببها الأهوال، وأثارت فتنا وجلبت محنا، وكم سجنت إماما، وأبكت أقواما، وتشعبت فيها المذاهب، واختلفت فيها المشارب

(1) محاسن التأويل 2/ 293 - 294.

(2) محاسن التأويل 7/ 3750.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت