وأما المعتزلة فقد سلكوا مسلك التأويل، وذكروا في ذلك عدة من الأقوال (1) ، ثم شرع في بيان تأويلات المعتزلة المختلفة لهذه الآية.
وردّه كذلك على المعتزلة في إنكارهم الشفاعة عند تفسيره لقوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} [البقرة: 48] حيث قال:"تمسكت المعتزلة بهذه الآية على أن الشفاعة لا تقبل للعصاة لأنه نفى أن تقضي نفس عن نفس حقا أخلت به من فعل أو ترك، ثم نفى أن يقبل منها شفاعة شفيع. فعلم أنها لا تقبل للعصاة. والجواب: أنها خاصة بالكفار" (2) .
وردّه كذلك على كل من المعتزلة في استدلالهم بقوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة: 124] على أن الظالم ليس بأهل للإمامة، والشيعة في استدلالهم بالآية نفسها على صحة قولهم في وجوب العصمة في الأئمة ظاهرا وباطنا على ما نقله الرازي عنهم وحاورهم (3) .
وردّه على الزمحشري المعتزلي في إنكاره والمعتزلة أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرعه عند تفسيره لقوله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} [البقرة: 275] نقلا عن الناصر في"الانتصار" (4) .
وردّه كذلك على المعتزلة في قولهم إن الله لا يشاء المعاصي والكفر عند تفسيره لقوله تعالى: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام: 149] حيث قال بعد أن بيّن عقيدة أهل السنة والجماعة في هذه المسألة:"وقد خالف في ذلك عامة القدرية- الذين سمّاهم النبيّ صلى الله عليه وسلم مجوس هذه الأمة- فقالوا: لا إرادة إلّا بمعنى المشيئة، وهو لم يرد إلا ما أمر به، ولم يخلق شيئا من أفعال العباد. فعندهم أكثر ما يقع من أفعال العباد على خلاف إرادته تعالى. ولما كان قولهم هذا في غاية الشناعة. تبرأ منهم الصحابة. وأصل بدعتهم- كما قال ابن تيمية- كانت من عجز عقولهم عن الإيمان بقدر الله والإيمان بأمره ونهيه. وسنبيّن تحقيق ذلك بعد أن نورد شبهتهم في هذه الآية وندمغها- بعونه تعالى- بعدة وجوه" (4) .
ثم بيّن شبهتهم ورد عليها من وجوه عدة، ثم نقل عن ابن القيم من كتابه"طريق الهجرتين"ما يتعلق بهذا الموضوع (4) .
(1) محاسن التأويل 2/ 121.
(2) محاسن التأويل 2/ 246.
(3) محاسن التأويل 3/ 701.
(4) محاسن التأويل 6/ 2542 - 2543.