ومثال تعقيبه على ما ينقل قوله عند تفسيره لقوله تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ} [البقرة: 75] وما نقلناه عن ابن جرير وابن كثير في تفسير {ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ} هو الأنسب باعتبار سوق الآية الكريمة (1) .
والقاسمي - رحمه الله تعالى - يبدي رأيه أحيانا في بعض الكلمات التي اختلف المفسرون في تفسيرها.
مثال ذلك قوله عند تفسيره لقوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} [البقرة: 124] حيث قال بعد أن بيّن أن المفسرين اختلفوا في ذلك اختلافا كبيرا:"وعندي أن الأقرب في معنى الكلمات هو ابتلاؤه بالإسلام، فأسلم لرب العالمين وابتلاؤه بالهجرة، فخرج من بلاده وقومه حتى لحق بالشام مهاجرا إلى الله، وابتلاؤه بالنار فصبر عليها، ثم ابتلاؤه بالختان فصبر عليه، ثم ابتلاؤه بذبح ابنه فسلم واحتسب" (2) .
وقد عاب بعض العلماء على القاسمي - رحمه الله تعالى - كثرة نقله عن العلماء وحاول بعضهم الآخر أن يجد له مسوغا لذلك فقالوا: إن العصر الذي وجد فيه القاسمي - رحمه الله - كان عصر بَعُد عن المعين الصافي الذي يؤخذ منه هذا الدين، لذلك كانت دعوته التي قام يدعو إليها تقتضي أن يبيّن للناس فساد ما هم عليه من المعتقدات والبدع من خلال كلام يثقون به، وهو كلام السلف، لأن ذلك أدعى للقبول عند الناس، فلو قال ذلك بأسلوبه وبكلامه دون ذكر أقوال العلماء لكا قبل قوله الناس، فالقاسمي - رحمه الله تعالى - كان باستطاعته التعبير بأسلوبه عن جميع الأشياء التي نقلها.
ولو تركنا الحديث عن المسوغات التي بُنِي عليها نقل القاسمي ما نقل من أقوال العلماء في تفسيره ونظرنا إلى كثرة وتنوع النقول التي اعتمد عليها القاسمي - رحمه الله تعالى - لقلنا إن ذلك يُشِي بسعة علم القاسمي - رحمه الله - وكثرة اطلاعه على فنون العلوم المختلفة.
ومن الكتب التي نقل عنها القاسمي - رحمه الله - التوراة وأفنجيل مثال ذلك نقله عن التوراة سبب سوم فرعون بني إسرائيل سوء العذاب من تذبيح أبنائهم واستعمالهم في الأعمال الشاقة عند تفسيره لقوله تعالى {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ} [البقرة: 49] (3) .
(1) محاسن التأويل 2/ 167.
(2) محاسن التأويل 2/ 245.
(3) محاسن التأويل 2/ 122.