قال الغزالي في المستصفى (ص 149) :"ذهب داود وشيعته من أهل الظاهر إلى أنه لا حجة في إجماع من بعد الصحابة؛ وهو فاسد لأن الأدلة الثلاثة على كون الإجماع حجة، أعني الكتاب والسنة والعقل، لا تفرق بين عصر وعصر، فالتابعون إذا أجمعوا فهو إجماعٌ من جميع الأمة، ومن خالفهم فهو سالك غير سبيل المؤمنين".اهـ
قلت: وقد نُسب القول بعدم الاعتداد بغير إجماع الصحابة إلى أحمد - رحمه الله -، فقد جاء في المسودة (2/ 616) :"قال القاضى الإجماع حجة قطعية يَجب المصير إليها وتُحرم مخالفته ولا يجوز أن تُجمِع الأمة على الخطأ؛ وقد نص أحمد على هذا في رواية عبد الله وأبى الحارث في الصحابة إذا اختلفوا لم يخرج عن أقاويلهم، أرأيت إن أجمعوا له أن يخرج من أقاويلهم؟ هذا قول خبيث قول أهل البدع لا ينبغي لأحد أن يخرج من أقاويل الصحابة إذا اختلفوا."
قال شيخنا - رضي الله عنه: قلت قال في رواية عبد الله: الحجة على من زعم أنه إذا كان أمرًا مجمعًا عليه ثم افترقوا أنَّا نقف على ما أجمعوا عليه إلى آخره؛ قال:"وقد علَّق [1] القول في رواية عبد الله فقال: من ادعى الإجماع فهو كاذب لعل الناس قد اختلفوا، وهذه دعوى بشر المريسي والأصم"، ولكن يقول:"لا نعلم الناس اختلفوا"، إذا لم يبلغه، وكذلك نقل المروذى عنه أنه قال:"كيف يَجوز للرجل أن يقول أجمعوا؟ إذا سمعتهم يقولون أجمعوا فاتهمهم، لو قال: إنى لم أعلم مخالفًا، جاز"، وكذلك نقل أبو طالب عنه أنه قال:"هذا كذب ما أعلمه أن الناس مجمعون؟ ولكن يقول: لا أعلم فيه اختلافًا، فهو أحسن من قوله إجماع الناس"؛ وكذلك نقل عنه أبو الحارث:"لا ينبغي لأحد أن يدعى الإجماع لعل لناس اختلفوا".
(1) قال د. أحمد الذروي - محقق نسخة المسودة-:"في م - أي المطبوعة القديمة- زعم المحقق أنها محرفة، وصوابها أطلق".اهـ؛ وقال الشيخ عبد الله بن محسن التركي في"أصول مذهب الإمام أحمد" (ص 351) :"هكذا في مخطوطة العدة، والظاهر أنها تحريف، وصوابها: وقد أطلق".اهـ