قَولِهِمْ هَذَا ، وَدَعَا عَلَيْهِمْ بِالبُخْلِ ( غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ) ، وَبِانْقِبَاضِ أَيْدِيهِمْ عَنِ الإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللهِ ، وَفِي سَبِيلِ الخَيْرِ .
وَقِيلَ بَلِ المَقْصُودُ هُنا هُو َأنَّ اللهَ تَعَالَى دَعَا عَلَيْهِمْ بَأنْ تُغَلَّ أَيْدِيهِمْ بِالقُيُودِ وَالأَغْلاَلِ ، وَتُرْبَطُ إلَى أَعْنَاقِهِمْ فِي الدُّنْيا وَهُمْ أُسَارَى ، وَفِي الآخِرَةِ وَهُمْ يُعَذَّبُونَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ
وَرَدَّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ قَائِلًا: إنَّ يَدَيْهِ مَبْسُوطَتَانِ كَرَمًا وَجُودًا ، وَهُوَ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ .
وَيَقُولُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - إنَّ مَا أَنْزَلَهُ اللهُ عَلَيْهِ مِنْ خَفِيِّ أمُورِ هَؤُلاَءِ اليَهُودِ المُعَاصِرِينَ لِلْرَّسُولِ ، وَمِنْ أَحْوَالِ أَسْلاَفِهِمْ ، وَشُؤُونِ كُتُبِهِمْ ، وَحَقَائِقِ تَارِيِخِهِمْ . . . هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الأَدِلَّةِ عَلَى صِدْقِ نُبُوَّتِهِ ، وَصِحَّةِ مَا جَاءَهُمْ بِهِ ، فَكَانَ مِنَ المُفْتَرَضِ أنْ يَدْفَعَهُمْ هَذَا إلَى الإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ وَتَصْدِيقِهِ ، وَلَكِنَّهُمْ لِطُغْيَانِهِمْ وَتَجَاوُزِهِمُ الحُدُودَ فِي الكُفْرِ وَالحَسَدِ لِلْمُسْلِمِينَ لَمْ يَدْفَعْ ذَلِكَ إلَى الإيمَانِ إلاَّ قَلِيلًا مِنْهُمْ ، وَلَنْ يَزِيدَ أَكْثَرُهُمْ إلاَّ طُغْيَانًا فِي بُغْضِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَعَدَاوَتِهِ ، وَكُفْرًا بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ . ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى رَسُولَهُ - صلى الله عليه وسلم - أنَّهُ أَلْقَى بَيْنَ هَؤُلاَءِ الكَفَرَةِ الحَاسِدِينَ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ ، وَسَتَسْتَمِرَّانِ بَيْنَهُمْ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ ، فَلاَ تَجْتَمِعُ قُلُوبُهُمْ عَلَى كَلِمَةِ حَقٍّ ، وَسَتَشْغَلُهُمْ عَدَاوَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ عَنِ الاجْتِمَاعِ عَلَى قِتَالِ المُؤْمِنِينَ ، وَأنَّهُمْ كُلَّمَا شَرَعُوا فِي إِيقَادِ نَارِ