فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 181

ذلك تكذيبهم للنبي (- صلى الله عليه وسلم -) مع أنه قد أخذ الله منهم العهد في تصديقه، قال الله:

{وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنَ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ} (سورة البقرة / 101) .

و (العهد) معدولٌ به عن (المعاهدة) وإن كان أقرب إلى الأسمية منها إلى المصدرية؛ ولذا قيل: هو اسم مصدر وليس بمصدر، وقد جاء نصبه على أنه مصدر، أو تضمَّن (عاهد) معنى (أَعطى) [1] . والصحيح أنه مصدر انتقل معناه من المصدرية إلى الإسمية، فالعَهْد: حفظ الشيء ومراعاته حالًا بعد حال، من قولهم: للمطر: عَهْدٌ، وعِهَاد، وللروضة التي أصابها المطر روضة معهودة، على اعتبار معنى التفقد والمراعاة، ومنه سُمّي المَوْثِق الذي يلزم مراعاته وحفظه عَهْدًا [2] . والعهد المقصود هو العهد الذي كان بينهم وبين الله تعالى، كان قد أخذه عليهم إن خرج النبيّ العربي آمنوا به، وأخرجوا المشركين من ديارهم، وأن لايعينوا أحدًا من الكافرين عليه، ولكنهم نقضوا العهد، مع ما أظهر الله - عز وجل -"من الدلائل الدالة على نبوة محمد (- صلى الله عليه وسلم -) ، وعلى صحة شرعه،"فكان ذلك كالعهد منه سبحانه وقبولهم لتلك الدلائل كالمعاهدة منهم لله سبحانه وتعالى" [3] ، وسمة نقض العهود والغدر سمة اليهود، وفي ذكر ذلك تسلية لرسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) ؛ لأن من يُعتاد منه طريقة معينة، لا يكون فيه صعوبة على النفس من مخالفته، كصعوبة من لم تجد عادته بذلك [4] ."

وقد عُدل عن القياس للدلالة على كون هذا الموثق المأخوذ عليهم عهدًا لازمًا للحفظ والرعاية في ذمتهم، فلا مجال لديهم لنقضه، فهو ليس معاهدة وإنما هم عاهدوا أي تكفلوا بحفظ عهد واحد من العهود ورعايته وهو الإيمان بالنبيّ (- صلى الله عليه وسلم -) ، وقد أُخذ عليهم هذا العهد في التوراة حتّى سميت التوراة بالعهد؛ قال ابن عاشور:"والمراد بالعهد عهد التوراة أي ما اشتملت عليه من أَخْذ العهد على بني اسرائيل بالعمل بما أُمروا به أخذًا مكررًا حتّى"

(1) ينظر: المحرر الوجيز: 1/ 412؛ والبحر المحيط: 1/ 324؛ وتفسير أبي السعود: 1/ 135.

(2) ينظر: المفردات: ص 591 ـ 592.

(3) التفسير الكبير: 3/ 183.

(4) تفسير غرائب القرآن ورغائب الرحمن، نظام الدين الحسن بن محمد بن حسين النيسابوري: 1/ 344.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت