جاءت أربعة نماذج على هذا النوع من العدول وهي: العدول عن الاختيار إلى الخيرة، والعدول عن الارتياب إلى الرَّيْب، والعدول عن الاغتراف إلى الغرفة، والعدول عن الاتقاء إلى التُقاة، وقد وقع البحث على نموذجين منها وهو العدول عن الاختيار، والاتقاء.
1 ـ العدول عن الاختيار إلى الخيرة:
قال تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} (سورة القصص / 68) .
والمعنى: أنّ الله سبحانه وتعالى يخلق ما يشاء ويختار من يشاء، وليس لأحدٍ أن يختار على الله، فتكون (ما) في {مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ} نافية [1] . أي:"لا نرسل الرسل على اختيارهم هم" [2] . وقد وجّه الطبري معنى الخِيَرة إلى كونها الشيء الذي يَختار من البهائم والأنعام والرجال والنساء على نحو قولهم: فلان اُعطيَ الخِيرة وليس الاختيار فيكون التوجيه:"وربّك يخلق ما يشاء، ويختار ما يشاء، لم يكن لهم خيرُ بهيمة، أو خير طعام، أو خير رجل أو أمرأة" [3] ، والأرجح أن المراد أن الله هو"الذي يُوقع الاختيار لما يشاء فيريد الكفر للأشرار، والإيمان للأبرار، لااعتراض عليه، فلرُبما ارتدّ أحدٌ ممن أظهر المتاب، لما سبق عليه من الكتاب فكان من أَهل التباب" [4] ، فالله يختار ما يشاء اختياره من غير ايجاب عليه ولا منع عليه أصلًا [5] . ولمّا كان هذا المعنى هو المراد نفى الله - عز وجل - عن خلقه الاختيار والخيرة، فالاختيار: طلب ما هو خير وفعله، والخِيرة: الحالة التي تحصل للمستخير والمختار، أي ان
(1) ينظر: معاني القرآن واعرابه، الزجاج: 4/ 114؛ وتفسير السمرقندي المسمى بـ (بحر العلوم) ،
أبو الليث نصر بن محمد بن أحمد بن ابراهيم السمرقندي: 2/ 524.
(2) تفسير السمرقندي: 2/ 524.
(3) جامع البيان: 20/ 102.
(4) نظم الدرر: 14/ 339.
(5) ينظر: تفسير أبي السعود: 7/ 22.