تناول هذا المبحث بعض المصادر الميمية المعدولة عن المصدر الأصل؛ لأنه ثبت الفرق في الدلالة بين المصدرين كون المصدر يدل على الحدث مجردًا من الذات، في حين يدل المصدر الميمي على الحدث مقترنًا مع عنصر الذات، وعلى هذا الأساس تناول المبحث بعضًا من هذه المصادر بالدرس.
1 ـ العدول عن التوب إلى المتاب:
قال تعالى: {وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا}
(سورة الفرقان /77) ، يُلحظ في الآية الكريمة مجيء (متابًا) معدولًا عن (تَوْبًا أو توبة) إذ أنه الأصل، ولابد في هذا العدول من نكتة دلالية، فالتائب هو الذي"يترك المعاصي ويندم عليها ويدخل في العمل الصالح" [1] . والتوب في اللغة الرجوع عن الذنب، أو هو جمع توبة والمعنى واحد [2] .
وأما في الاصطلاح فالتوبة"ترك الذنب لقبحه والندم على ما فرط منه، والعزيمة على ترك المعاودة، وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال بالإعادة" [3] . فالتوبة لا تكون نصوحًا إلاّ بثلاثة أوجه، الاعتراف بالذنب، والندم عليه، والإقلاع عنه [4] . هذا عن التوبة والتوب، فماذا عن (المتاب) ؟ أشار المفسرون إلى أنَّ معنى
(متابًا) هو: التوب المرضي عند الله - عز وجل -،المكفّر للخطايا والذنوب، المحصل للثواب العظيم [5] . قال القرطبي:"وقيل: أي من تاب بلسانه ولم يحقق ذلك بفعله، فليست تلك التوبة نافعة بل من تاب وعمل صالحًا فحقق توبته بالأعمال الصالحة فهو الذي تاب إلى الله متابًا، أي تاب حق التوبة النصوح، ولذا أكّد بالمصدر فـ (متابًا) مصدر معناه التأكيد" [6] . ومعنى التأكيد متأتٍ من كونه مصدرًا ميميًا قليل الدوران في الكلام مما
(1) الكشاف: 3/ 295.
(2) ينظر: لسان العرب: 1/ 226.
(3) المفردات: ص 169.
(4) ينظر: التعريفات، الجرجاني: ص 37.
(5) ينظر: الكشاف: 3/ 295؛ التفسير الكبير: 24/ 13؛ وتفسير أبي السعود: 6/ 230.
(6) الجامع لأحكام القرآن: 13/ 53.