فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 181

جاء هذا النوع من العدول في القرآن الكريم في عدة صيغ منها:

ـ العدول عن مطَهِّر إلى طهور:

قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَي رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} (سورة الفرقان / 48) . صيغة (طهور) من صيغ المبالغة الخمسة الرئيسة [1] . وطهور معدول في الحقيقة عن اسم الفاعل

(مطهر) ، وإلى ذلك ذهب أصحاب الشافعي - رضي الله عنه -، لأنّ"الطاهر ضربان: ضرب لا يتعداه الطهارة كطهارة الثوب فإنه طاهر غير مُطهر به، وضرب يتعداه فيجعل غيره طاهرًا به فوصف الله تعالى الماء بأنه طهور تنبيهًا على هذا المعنى" [2] . وقد ردّ الراغب هذا القول على اعتبار"أن فعولًا لا يبنى من أفعل وفعّل وإنما يبنى ذلك من فَعُل" [3] . أي أنه محتمل للمعنيين إذ إن الماء طاهر ومطهّر [4] ومعنى ذلك أنّ

(طَهُورًا) بناء للمبالغة مشتقٌ من (طهّر) المتعدي، ولكنّ الأمر ليس كذلك إذ إن

(طَهُورًا) مشتقٌ من (طَهُر) اللازم ثُمَّ أنه لمّا حمل معنى التطهير قيل: إنّ

(طَهُورًا) من طهّر المتعدي بمعنى اسم الفاعل (مُطَهّر) : فيكون معنى (طهورًا) : بليغًا في طهارته، وهو ما كان طاهرًا في نفسه مطهّرًا لغيره، ويعضده قوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} (سورة الأنفال / 11) [5] . فتبين"أن المقصود من الماء إنما هو للتطهر به فوجب أن يكون المراد من كونه طهورًا أنه هو المطهر به؛ لأنه تعالى ذكره في معرض الإنعام، فوجب حمله على الوصف الأكمل، ولا شك أن المطهِّر أبلغ من الطاهر" [6] ، إذ يصح القول بأنّ كل طهور طاهر، وليس كل طاهر طهورًا، وطَهُور هو الوصف الأبلغ للماء المنزّل من السماء في كون معناه: طاهرًا في نفسه مطهّرًا لغيره، لا سيما أن (الطهور) بناء مبالغة في طاهر، والمبالغة هي التي

(1) ينظر: البحر المحيط: 1/ 15.

(2) المفردات: ص 526.

(3) م. ن: ص 526.

(4) ينظر: منهج الراغب في كتابه مفردات ألفاظ القرآن، رسالة ماجستير تقدم بها رافع عبد الله مالو،

إلى كلية الآداب ـ جامعة الموصل، 1989: ص 153.

(5) ينظر: الكشاف: 3/ 284.

(6) التفسير الكبير: 24/ 90.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت